هل تغطي السلطة عجزها المالي بعائدات ضريبة القيمة المضافة؟

نابلس - خـــاص صفا

تبذل وزارة المالية في السلطة الفلسطينية جهدها لإخراج أول قانون فلسطيني لضريبة القيمة المضافة، على أمل أن يساهم ضمن منظومة قوانين ضريبية جديدة، برفد الخزينة العامة للسلطة بموارد مالية في محاولة منها لتغطية العجز الكبير الذي تعاني منه.

وحتى الآن ليس هناك قانون فلسطيني للضريبة المضافة، وإنما أمر عسكري إسرائيلي صدر في منتصف سبعينات القرن الماضي، وبدأ سريانه في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1978.

ومنذ عامين، تعكف وزارة المالية على إعداد مشروع قانون ضريبة القيمة المضافة، وعقدت سلسلة لقاءات واجتماعات مع القطاع الخاص لمناقشة ملاحظاتهم واعتراضاتهم عليه.

وكالة "صفا" حاولت التواصل مع مدير عام الجمارك وضريبة القيمة المضافة بوزارة المالية لؤي حنش لسؤاله "أين وصل مشروع القانون؟ وما الأهداف المتوخاة منه؟"، واستيضاح الملاحظات التي أثيرت حوله.

لكن حنش لم يستجب ويرد على الاتصالات المتكررة لوكالة "صفا".

وبالرجوع إلى أحاديث سابقة مع وسائل الإعلام، قال حنش إن مسودة القانون تم تعديلها أكثر من 20 مرة، بناء على ملاحظات القطاعات المختلفة، وهو الآن شبه جاهز وفي مراحله النهائية.

وذكر أن "القانون الجديد يكرس العدالة الاجتماعية، من خلال التدرج في فرض الضريبة".

وقال إن "مشروع القانون يسمح بفرض ضرائب متدنية أو صفرية على السلع الأساسية ورفع الضريبة على السلع الضارة كالسجائر".

وأضاف أن "الوزارة تعمل على إعداد منظومة قوانين جديدة، تشمل قانون الجمارك، وقانون الدخل، وقانون القيمة المضافة".

ووفق حنش "فالوزارة وضعت استراتيجية للعمل هي استراتيجية الإيرادات 2021-2025 وبدأت بتطبيقها".

وبين أن أحد بنود هذه الاستراتيجية هو توسيع القاعدة الضريبية بشكل أفقي؛ أي زيادة عدد دافعي الضرائب بدل زيادة الضريبة ذاتها.

وأوضح حنش أن الهدف من ذلك هو التحرر من المساعدات الخارجية، ومن الاحتلال الذي يرفع من قيمة الخصميات من أموال المقاصة والتي تأتي منها 70% من إيرادات السلطة، وفق قوله.

وتساءل: "إذا لم يكن لدينا إيرادات كافية، فكيف يمكن لنا أن نتخذ قرارات سياسية مبنية على قناعاتنا، وليس بضغط من أي طرف آخر"، بحسب تبريره.

وأكد أن وزارة المالية تسعى لزيادة الإيرادات، وتخفيض فاتورة الرواتب من أجل الوصول إلى نقطة توازن والاعتماد على الذات لتحرير القرار السياسي.

ملاحظات واعتراضات

وأبدى الكثير من المختصين ملاحظات وتحفظات على مشروع القانون، كما لقي اعتراضات من العديد من القطاعات، من بينها قطاع الأطباء الذي اعترض على وضع ضريبة على الخدمة الطبية المقدمة للمريض.

شوقي صبحة نقيب الأطباء قال لوكالة "صفا" إن "ضريبة القيمة المضافة تفرض على السلع، ولا يمكن معاملة المرض كسلعة".

وأضاف أن "وزارة المالية تريد أن يدفع المريض ضريبة على مرضه، وتطلب من الطبيب أن يجبي هذه الضريبة من المريض لصالح الوزارة".

وتم التوصل لاتفاق بعدم وضع هذه الضريبة على كشفية الطبيب في العيادة، لكنها بقيت على الإجراءات الطبية في المستشفيات.

ولفت إلى أنه كانت هناك جلسات مطولة من الحوار بين النقابة ووزارة المالية وتفاهمات سابقة تنصلت منها الوزارة، نصت على عدم دفع المريض أي ضريبة على مرضه أو أي إجراءات طبية تجرى له.

من جانبه، اعتبر المحامي د.بسام القواسمة مؤسس "تجمع الكل الفلسطيني" أن مشروع قانون ضريبة القيمة المضافة، من أخطر القوانين وفيه نصوص مخالفة للقانون الأساسي وتتعارض مع قوانين أخرى.

وأكد في تصريح له أن هذا القانون سيؤدي لزيادة الأسعار على المواطن، وهو المستهلك النهائي الذي يدفع هذه الضريبة.

وأضاف أن نصوص المشروع تفرض أعباء جديدة على المواطن، وهو بمثابة "مشروع ترحيل وتهجير للمواطن الفلسطيني" ويكرس التبعية للاحتلال.

وأشار إلى أن الكثير من نصوص مشروع القانون تتعارض مع القانون الأساسي، إذ أعطت وزير المالية وموظفي الوزارة صلاحيات واسعة فضفاضة، وهذا سيؤثر بشكل سلبي، وسيخضع لمزاجية الوزير وموظفيه.

وأكد أن الظروف غير مواتية لسن هذا القانون، ويجب ترك مناقشة مثل هذه القوانين للمجلس التشريعي القادم صاحب الصلاحية الحقيقية.

بدوره، قدم مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية "المرصد" مذكرة تضمنت 18 ملاحظة على بنود القانون البالغ عددها 156 بندًا.

وقال الباحث المؤسس في المرصد إياد الرياحي لوكالة "صفا" إن وزارة المالية دعتهم للتداول حول ملاحظاتهم، وتم الأخذ بمعظمها وإدخال تعديل جوهري على نصوص المشروع، لكنه بقي منقوصًا.

وأوضح أنه لأول مرة يكون هناك تمايز في الضريبة ووضع نسب صفرية على السلع الأساسية، لكن هذا بحاجة إلى قرار من مجلس الوزراء وإجراء دراسات اقتصادية كافية، وأن تكون هذه الدراسات جاهزة قبل إقرار القانون.

وأشار إلى أن الوزارة أخذت بملاحظة المرصد، وألغت الضريبة على المنح المقدمة للجمعيات الخيرية وأجور العاملين فيها.

لكن تم التحايل على ذلك في المادة 10 بند 2 والتي تشترط حصول الجمعيات على موافقة مجلس الوزراء للحصول على الإعفاء.

ومن شأن ذلك، ربط الجمعيات بمجلس الوزراء وإعادة فرض سطوة الحكومة على عمل المنظمات الأهلية، بعد أن حاولت الحكومة فرض ذلك بقانون الجمعيات الخيرية لكنها فشلت.

وقال: "أبلغناهم أن هذا ليس دور وزارة المالية، وهذه المادة مكانها ليس قانون ضريبة القيمة المضافة".

وأوضح أن القانون لم يعالج إشكالية التهرب الضريبي، نتيجة ضعف الرقابة والمحاسبة، مما يضيع مئات الملايين على الخزينة العامة.

وأكد أن النظام الضريبي الفلسطيني يستند على الجباية بعيدًا عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف أن "هناك عدم ثقة أو اقتناع لدى المواطن بجدوى دفع الضريبة لأن هذه الضرائب لا تنعكس على التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية، وإنما على الأمن وبشكل غير مبرر، في ظل عدم قدرته على توفير الأمن الداخلي أو مواجهة الاحتلال".

تعديلات غير كافية

من ناحيته، قال الخبير الاقتصادي د. نصر عبد الكريم إن وزارة المالية أخذت بالكثير من الملاحظات حول مسودة القانون، وأن المسودة خضعت لتعديلات وطرأ عليها تحسن كبير، لكنها ما زالت بحاجة إلى تنقيح وتعديل.

وأشار إلى أن مسألة التدرج والتمايز في الضرائب أشير إليها في أحد البنود، لكنه أبقى بيد الحكومة تعديل أو وضع نسب ضريبية مختلفة، بناء على تقديراتها.

ويعتقد عبد الكريم بضرورة وجود نص صريح وواضح في القانون بشأن التدرج والتمايز في الضريبة، على مختلف الخدمات والسلع بناء على أهميتها وحيويتها لحياة المواطنين.

وأشار إلى أنه ينبغي أن يترافق مع مشروع القانون مذكرة تفسيرية توضح أهداف القانون ومبرراته، وهو ما يفتقر إليه مشروع القانون الحالي.

تقاسم الكعكة

وقال إن الاقتصاد الكلي الفلسطيني منقسم إلى 3 أقسام، الأول تديره منظمات المجتمع المدني، والثاني القطاع الخاص، فيما تدير السلطة القسم الثالث.

ومن خلال مشروع هذا القانون، تريد السلطة أن تتقاسم "كعكة" القطاع الخاص والمجتمع المدني لزيادة دخل خزينتها، بحسب عبد الكريم.

ورأى أن الأولى هو تعديل قانون ضريبة الدخل، بفرض ضريبة تصاعدية على الثروة والأملاك، وهذا سيلقى دعم غالبية المواطنين.

وأضاف "قوانين تشجيع الاستثمار، وضريبة الدخل، والقيمة المضافة، تعني أن السلطة منحازة لأصحاب رأس المال".

وأوضح أن السلطة يمكن لها أن تحسن دخل الخزينة العامة من خلال معالجة التهرب الضريبي الذي يكبد الخزينة 600 مليون دولار، والتسرب الضريبي مع الاحتلال الذي يكبدها 500 مليون دولار، إلى جانب الإعفاءات.

وأوضح أن تحصيل نصف ما لا يجبى من الضرائب كفيل بوقف اعتماد السلطة على المساعدات الأخرى.

ط ع/م ت/غ ك

/ تعليق عبر الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظة صفا - وكالة الصحافة الفلسطينية ©2022

atyaf co logo