يؤكِّد سكان البلدة القديمة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة أن وحدة جديدة من جيش الاحتلال بدأت العمل على الحواجز العسكرية، وأعمال الدورية في أنحاء المدينة ومحيط الحرم الإبراهيمي، ويمارس أفرادها سياسة التفتيش العاري المهين، واحتجاز المواطنين لساعات طويلة، غير مفرقين بين شاب أو شيخ أو امرأة.
هذه السياسة لا تستطيع الكاميرات أن ترصدها، إذ تتم في الخفاء وعتمة الليل وخلف حديد الآليات العسكرية، ويتخوف السكان في البلدة القديمة من استنساخ هذه الوحدة لتجربة القرعة التي نفذتها قوات الاحتلال بحقهم، بداية انتفاضة الأقصى، وتسببت بالعديد من الضحايا بين قتلى وإعاقات.
وجبات يوميَّة
المواطن بسام جعفر من سكان البلدة القديمة تعرَّض للاحتجاز والتفتيش العاري، أكد أن هذه ظاهرة جديدة ووجبات يومية متكررة يعيشها السكان في المنطقة، بشكل متكرر.
وأضاف "تعمد قوات الاحتلال المتواجدة على البوابات الالكترونية في مدخل الحرم الإبراهيمي أو على حواجزها المنتشرة في محيط البلدة القديمة والدوريات المتجولة، إلى توقيف المواطنين وتعريتهم بشكل كامل أحيانا، والتنكيل بهم".
وبيِّن جعفر لـ"صفا" أن الوحدة الجديدة تطلق النار بشكل غير مبرر ومفاجئ على المواطنين، وتقتلهم بدم بارد دون سابق إنذار، متحدثا عن حالات شاهدها خلال سكنه في المنطقة.
وحول المشاعر النفسية التي تنتاب المواطن أثناء عملية التفتيش والاحتجاز، قال جعفر: إن "مشاعر ممزوجة بالخوف والقلق والمهانة، تلف الشخص الذي يتعرض لهذه المرحلة القاسية".
ووصف المواطن الخليلي المرحلة بأنها تحمل كل معاني الحزن والمأساة والقهر، دون أن يتمكن المواطن من عمل أي شي أو رفض أي أمر.
وأشار إلى أن الاحتلال يجبر المواطنين على المثول للتفتيش تحت تهديد السلاح، وفقدان الجنود لأي تعامل إنساني أو احترام للمواطن الفلسطيني، بالإضافة إلى انعدام المحرمات أو الضوابط الأخلاقية في التعامل.
وأكمل بانزعاج "أن الأدهى والأمر في هذه الحالة، احتجاز مجموعات من الشبان وهم عراة من ملابسهم في ظل البرد القارس في ساعات الليل، وعلى مرأى من المارة في النهار"، واصفا ذلك بالإمعان في الإذلال والمأساة.
ولفت جعفر إلى أن معاناة السكان الحقيقية، لا تسجلها عدسات الكاميرات، مبيناً أن هناك معاناة لمئات المتضررين مغيبة باستمرار عن الإعلام ومشاهدة العالم ومؤسسات حقوق الإنسان.
وتابع قائلا: "إن المواطن يشعر بالموت، أكثر من مرة في اليوم مع كل تحرك له في شوارع البلدة القديمة"، واصفا الجنود الإسرائيليين "بالمجانين"، حيث يخشى السكان من إطلاقهم النار على كل محتجز في أية لحظة.
إذلال وامتهان
ولم تكن المواطنة أم وسام دوفش بمنأى عن إجراءات الاحتلال تلك، فبينما كانت تحاول اجتياز حاجز عسكري قرب شارع الشهداء في البلدة القديمة منتصف شهر نوفمبر الماضي، طلب منها الجنود خلع ملابسها للتفتيش، وبعد رفضها الانصياع لأوامرهم، قاموا بالاعتداء عليها بالضرب واعتقالها، وإلصاق تهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي بها.
وحول طبيعة التفتيش أوضح المواطن محمد الدويك "أن جنود الاحتلال يشهرون السلاح في وجه أي فلسطيني يريدون تفتيشه، ويطلبون منه عن بعد خلع ملابسه ووضعها جانبا، والتقدم إليهم عاريا من ملابسه، أو بما تبقى عليه من ملابس تستر عورته، ويحتجز على ذات الحال وقتا طويلا، لتدقيق بطاقته وينتظر لحين السماح له بالانصراف".
وبيِّن أنه في أفضل حالات التفتيش يطلب الجنود من المحتجز الرفع عن بطنه والالتفاف بشكل دائري، تحت مبرر الخشية من حيازته أسلحة أو حزاما ناسفا.
ولم تشفع خمسون عاما للمسن سعدي جابر من تعرضه للمهانة أثناء مروره بالبلدة القديمة، رغم معاناته من الإصابة برصاصة بالكتف وجلطة دماغية أصيب بها أثناء اعتقاله في سجون الاحتلال، لتنفذ قوات الاحتلال بحقه تفتيشا عاريا، وتحتجزه مدة ثلاث ساعات بالعراء، وهو عار من ملابسه.
ولفت إلى أن جنود الاحتلال قاموا بإجباره على خلع المعطف الذي يلبسه، بالإضافة إلى الملابس الأخرى بالتدريج، حتى تعرى من كافة ملابسه، وبعدها تم صلبه على الحائط في البرد القارس ليلا.
أما عبد المحسن زيدان دويك (38) عاما، فقد أجبره الجنود قبل نحو 10 أيام على خلع ملابسه بعد انتهاء صلاة الفجر بالحرم الإبراهيمي.
وقال دويك لـ"صفا": "إن ستة جنود قاموا بإشهار سلاحهم بوجهي بعد انتهاء صلاة الفجر، وأجبروني على رفع يدي على الجدران بعد التفتيش الدقيق والشامل الذي تعرضت له، وإجباري على خلع كافة ملابسي ووضعها جانبا بعد التفتيش الدقيق".
وأضاف "هذا ناهيك عن الممارسات غير اللائقة، بوضع الجنود أياديهم على مناطق حساسة أثناء التفتيش واحتجازي لفترات طويلة" مشيرا إلى أن هذه الممارسات يومية ومتكررة، وتستهدف المواطنين بشكل متواصل.
استدراج للأزقة
ولفت المواطن مسعود قفيشة (26) عاما إلى أن قوات الاحتلال تعتدي على الصغار والكبار في البلدة القديمة خصوصا في ساعات المساء.
وأشار إلى أن جنودا من ما يسمى حرس الحدود يشنون حربا شعواء على المواطنين في البلدة القديمة، ويستهدفون بشكل أساسي فئة الشبان، ويعتدون عليهم بالضرب المبرح دون إبداء أية مبررات، واستدراجهم إلى أزقة البلدة الخالية، واستيقافهم على الجدران والاعتداء عليهم.
ونوَّه قفيشة إلى أن جنود الاحتلال حاولوا استدراجه لأحد أزقة البلدة القديمة، لكنه رفض ذلك ووقف في مكان مكشوف أثناء الليل، خوفا من إعدامه بعيدا عن مرأى الناس، ما حدا بالجنود للاعتداء عليه بالضرب المبرح، حيث بدت آثار الكدمات واضحة على جسده.
وأشار إلى أن ستة جنود إسرائيليين هم من يقومون بعمليات التنكيل بحق سكان البلدة القديمة والاعتداء عليهم، لافتا إلى أنه أصبح الآن يمشي مسافات طويلة، ولا يسلك الطرق الأساسية التي يتواجد بها جنود حرس الحدود، تجنبا لأي أعمال احتكاك قد يتعرض لها من قبلهم.
من جانبه، أشار المواطن هارون القدسي من سكان المنطقة لـ "صفا" إلى أن جنود الاحتلال يقومون بما يشبه اللعب والتعذيب للمواطنين الداخلين عبر البوابات الالكترونية للصلاة بالحرم الإبراهيمي.
وأشار إلى أنه لاحظ أثناء ذهابه للصلاة بالحرم الإبراهيمي قبل يومين قيام جنود الاحتلال باحتجاز عشرات الشبان على مدخله، وتأخير دخولهم للصلاة بحجة رفضهم أوامر الجنود بالعبور مرات عديدة على البوابات الالكترونية، رغم عدم إصدار البوابات أية إشارات بحملهم أغراضا معدنية.
وبيّن القدسي أن إجراءات الجنود كانت تستهدف عرقلة دخول المواطنين للصلاة وتأخيرهم عن موعدها حتى تفوتهم، بالإضافة إلى التفنن في تعذيب الشبان والتنكيل بهم، في ظل ضحكات وأعمال عربدة يقوم بها الجنود أثناء عمليات الاحتجاز المواطنين.
أسلوب تعذيب
من جانبها، أكدت نائلة الحرباوي المتخصصة النفسية في مركز الصحة النفسية والمجتمعية على خطورة الانعكاسات النفسية للتفتيش العاري على الإنسان، خصوصًا فيما يتعلق بالمواطن الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال، مبينةً أن التفتيش أسلوب ذل وتعذيب يستخدمه الاحتلال ضد الفلسطينيين.
وأوضحت أنه يترتب على التفتيش العاري نتائج نفسية وخيمة، وآثار سلبية تتمثل في تحطيم شخصية الإنسان، وفقدانه الثقة بالآخرين، والشعور بانعدام الحضور داخل المجتمع، وإهدار كرامته.
وأشارت إلى أن هناك أهدافًا سياسية للتفتيش العاري الذي تقوم به قوات الاحتلال في البلدة القديمة بالخليل، باستهدافها للسكان وتعريضهم لهذا النوع من التفتيش باعتبارها ضغوطا، تستهدف إخلائهم من المنطقة، وجزء من سياسة الاحتلال المستمرة لتفريغ البلدة القديمة من سكانها.
وبينت أن المواطنين يخشون من تعرضهم لهذه المواقف المؤلمة، والتي تنعكس على نسبة حضورهم للمنطقة حفاظًا على خصوصيتهم وكرامتهم، وتجنُّب الاحتكاك مع جنود الاحتلال، مشيرة إلى أن الاحتلال يحقق بذلك أهدافه بتفريغ المنطقة من قاطنيها.
