القدس المحتلة - خاص صفا
لم يتخيل المقدسي عمر أبو رجب يومًا أن يهدم شقاء عمره بيده، وتتحول أحلامه وذكرياته إلى ركام، بعد أن أجبرته بلدية الاحتلال الإسرائيلي على هدم منزله قسرًا في حي البستان ببلدة سلوان جنوبي المسجد الأقصى المبارك.
لحظات مؤلمة عاشها أبو رجب خلال هدمه منزله، لتنتهي بتشريده مع زوجته، وتحويل منزله إلى أطلال تختزن بقايا حياة وذكريات باتت غبارًا.
ألم ووجع
يقول أبو رجب في حديثه لوكالة "صفا": "تنفيذًا لقرار بلدية الاحتلال، اضطررتُ إلى هدم منزلي ذاتيًا، تفاديًا لدفع تكاليف الهدم للبلدية، في حال نفذت آلياتها عملية الهدم، رُغم ما يحمله ذلك من ألم ووجع داخلي"
ويضيف "لك أن تتخيل كيف يهدم الإنسان منزله، وشقاء عمره، بيديه، في لحظة قاسية تختصر سنوات من التعب والتشريد للمرة الثانية".
وهذه هي المرة الثانية التي يُهدم منزله، بعد هدمه سابقًا في حي وادي ياصول بسلوان، ما اضطره لبناء منزل آخر في حي البستان على مساحة 45 مترًا مربعًا، ليعيش فيه وزوجته، قبل أن تصدر بلدية الاحتلال قرارًا نهائيًا بهدمه ذاتيًا، ليتم تشريده مرة أخرى.
ويشير إلى أن بلدية الاحتلال فرضت عليه مخالفات بدأت عام 2020 بقيمة 40 ألف شيكل، ثم مخالفة ثانية في شهر رمضان الماضي بقيمة 24 ألف شيكل.
تهديد إسرائيلي
ويتابع أبو رجب "دائمًا ما تنغص سلطات الاحتلال علينا حياتنا، ليس فقط بالهدم، بل أيضًا بالاقتحامات والاعتقالات والتهديد والضغط النفسي، والتهجير القسري الذي تشهده المدينة المقدسة يوميًا".
ويجد مقدسيون أنفسهم مجبرين على هدم منازلهم بأيديهم، تفاديًا لدفع غرامات باهظة تفرضها بلدية الاحتلال في حال تنفيذ الهدم بواسطة آلياتها.
وتواجه عائلة قويدر في حي البستان، خطر فقدان بنايتها السكنية القائمة منذ 1970، بعد أن أبلغت البلدية العائلة بمهلة 11 يومًا لتنفيذ الهدم، علمًا أن 11 فردًا يقطنون بداخلها، بينهم كبار في السن وأطفال وذوو احتياجات خاصة.
وبدأت العائلة بتنفيذ "هدم ذاتي" للشقتين في الطابق العلوي، واللتين تعودان للشقيقين محمود وعبد قويدر، ويقطنهما 5 أفراد.
ويقطن آلاف المقدسيين بالمدينة المحتلة تحت تهديد إسرائيلي دائم بهدم منازلهم ومنشآتهم التجارية، بعدما أصدرت بلدية الاحتلال أوامر هدم بحقّها أو أنها تُجبرهم على هدمها بأنفسهم.
ويعتبر "الهدم الذاتي" من أقسى وأسوأ أنواع العقاب الجماعي الذي يفرض على المقدسيين، لما يتركه من آثار نفسية واقتصادية سيئة عليهم.
تصاعد غير مسبوق
وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت وتيرة "الهدم الذاتي" في مدينة القدس، ولا سيما في بلدة سلوان، حتى وصل إلى أرقام غير مسبوقة، وفق ما يقول عضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان فخري أبو دياب.
ويوضح أبو دياب في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن بلدية الاحتلال وشرطتها صعّدتا في الفترة الأخيرة، من سياسة الهدم القسري، والضغط على المقدسيين، لإجبارهم على هدم منازلهم بأيديهم.
ويبين أن سياسة "الهدم الذاتي" تضاعفت أكثر من 300% عن العام 2025 الماضي، وسط تفاقم معاناة أهالي القدس اقتصاديًا، بسبب إجراءات الاحتلال الممنهجة، وسياسة الحصار والإغلاقات، التي ينتهجها بين الفينة والأخرى، لتصعيد عدوانه على المدينة وأهلها.
ومنذ بداية العام الجاري، أجبرت بلدية الاحتلال أكثر من 43 مقدسيًا على هدم منازلهم بأيديهم، متوقعًا أن يرتفع العدد إلى أكثر من 100 منزل مع نهاية العام.
ويؤكد أبو دياب أن الاحتلال يستخدم سياسة "الهدم الذاتي" كأداة ممنهجة لكسر إرادة وصمود المقدسيين، ولإذلالهم، واستنزافهم ماديًا ونفسيًا، ما يزيد الضغوطات عليهم ويُفاقم من معاناتهم، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها.
ويسعى الاحتلال، وفقًا للباحث المقدسي، لتهجير المقدسيين من مدينتهم، تمهيدًا لتفريغها بالكامل من سكانها الأصليين، لأجل إحلال المستوطنين مكانهم.
ويشير إلى أن مدينة القدس تشهد تغولًا إسرائيليًا لا يتوقف عند الهدم فقط، وإنما يتمثل في الاقتحامات والاعتقالات والإبعادات وسحب هويات، وتحويل المدينة لثكنة عسكرية وسط انتشار شرطي كبير، فضلًا عن التهديدات والضغوطات التي يتعرض لها المقدسيون.
ر ش
