"إلى أن يأتي الفرج" ينتظر صاحب محل الصرافة زياد وفي يده رزمة من الأوراق المالية التالفة على أمل أن يستبدلها من أحد المصارف الفلسطينية في ظل أوضاع اقتصادية "أرهقها" الحصار في قطاع غزة.
فعلى مدار أشهر لم يجد زياد إلا أن يقبل أوراق النقد التي "عفا عليها الزمن" من زبائنه، على أمل أن يستطيع "تصريفها" في وقت لاحق خلال عمليات تبادل مالية أو من المصارف في غزة.
وقال إن أكبر نسبة من النقد التالف هي من ورقتي العملة من فئتي العشرين والخمسين شيقلاً، مضيفاً: "لا يوجد حل أمامنا إلا قبولها من أجل استمرار العمل، الزبون يأتي ليصرف نقوده ويجب التعامل معه بما يتلاءم مع الظرف القائم".
ومضى قائلاً لوكالة "صفا": "واجهتنا حالات كثيرة من قبل زبائن رفضوا تلقي النقد المستهلك وهو ما يؤثر على عملنا سلباً في كثير من الأحيان".
وطالب زياد بتوريد كميات أكبر من النقود الجديدة للاستجابة لمتطلبات السوق وحماية المواطن والتاجر على حد سواء من تبعات أزمة النقد الحالية.
من ناحيته، عدّ أبو عبد الله وهو صاحب محل تجاري أن هذه الأزمة تؤثر على التعاملات التي يجريها إن كان مع التجار أو مع زبائن محله.
وأشار إلى أن الأمر لم يتوقف على أوراق النقد، بل تعداه إلى "الفكة" والعملات المعدنية صغيرة الفئة التي أصبحت شحيحة كذلك، وهو ما يرى أنه ذو تأثير كبير خاصة مع شهر رمضان المبارك.
وأوضح أنه تنقل من مصرف إلى آخر في محاولة لاستبدال ما وقع بين يديه من نقد مستهلك على أمل أن يتمكن من تجديد من لديه من أوراق مالية.
وذكر أنه رغم تفهمه للأزمة التي تمر بها المصارف في غزة، فإنه أوضح أن الحل يكمن بتكثيف الجهود الرسمية من أجل تأمين نقود جديدة وأن تسهم المصارف بدورها في تسهيل معاملات الاستبدال والتخفيف على المواطن والتاجر.
أسباب وتداعيات
من جانبه، قال عضو مجلس إدارة بنك فلسطين المحدود مأمون أبو شهلا لوكالة "صفا" إن نسبة التلف الموجود في غزة تقدر بنحو 10% من إجمالي النقد في غزة، وهي نسبة ستتراكم بشكل متصاعد في ظل استمرار الإغلاق الإسرائيلي ووقف توريد الأوراق النقدية إلى القطاع.
وأوضح أن لكل عملة عمر افتراضي يتم على أساسه كل فترة جمع مبالغ من النقد المستهلك وإعادتها إلى البنك المركزي الإسرائيلي بصفته من يصدر عملة "الشيقل" لاستبدالها بأوراق جديدة.
وأشار إلى أنه كان يتم جمع نحو خمسة ملايين شيقل كل شهر أو شهرين تقريباً لاستبدالها، كما أنه يتم بين فترة وأخرى نقل كميات من النقود الورقية والمعدنية تلبية لحاجة أهالي القطاع، لكن منذ شهر 6/ 2007 تعطل العمل بهذا الأمر ورفضت "إسرائيل" استقبال العملات القديمة وتبديلها بالجديدة.
وذكر أبو شهلا أن "إسرائيل" قررت إدخال 30 مليون شيقل مؤخراً لاستبدال التالف، وعلى الرغم من أن المبلغ سيشكل انفراجة نسبية إلا أن ذلك لن يكون حلاَ نهائياً.
ونوه إلى أن المصارف في غزة ستضطر للاحتفاظ بالنقد التالف المستبدل بعد إدخال المبلغ الأخير دون القدرة على استبداله أو حتى التعامل به حتى يتم التنسيق لنقله إلى المصرف المركزي الإسرائيلي ونقل أموال جديدة بدلاً منه، متوقعاً ألا يتم ذلك في وقت قريب وهو ما يعني تراكم أزمة الجهاز المصرفي في غزة.
وحمل الاحتلال المسئولية عن نشوء الأزمة النقدية في غزة وانعكاسات ذلك على الجهاز المصرفي بشكل خاص، قائلاً: "هذه المشكلة سببها (إسرائيل) التي تواصل ضغوطها وحصارها على قطاع غزة، ورغم المناشدات التي وجهناها إلا أن ذلك جاء دون نتيجة جراء التعنت الإسرائيلي".
وفي هذا السياق، رأى أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر معين رجب أسباباً أخرى تؤدي إلى تلف النقود حيث أنه من الطبيعي أن تتلف وتستهلك بسبب كثرة الاستخدام من جهة وسوء التداول من جهة أخرى، فضلاً عن الأسباب المترتبة على الحصار الإسرائيلي.
وقال رجب لوكالة "صفا" إن عدم الاعتناء بالأوراق النقدية والتعامل بها بطريقة غير مناسبة لا تراعي الحفاظ عليها يؤدي إلى تلفها، كما أن النقود الموجودة تم تداولها لفترة طويلة من الزمن ودون استبدال.
وأضاف أن "من المفترض بالجهات المعنية أن تعمل على استبدال النقود في حال تلفها، لكن عدم توريد أوراق جديدة عامل مهم في عدم انتظام دورة تجديد الأوراق النقدية وتراكم التالف منها في السوق المحلي".
وأشار إلى أنه في ظل الأوضاع الراهنة، فإن إدخال الكميات المخصصة للاستبدال وتعويض النقص مؤخراً عمل على حل جزء من الأزمة، لكن آثاره ستأخذ وقتاً حتى تظهر، حيث تمر العملية بعدة مراحل.
جهود وعراقيل
ونوه رجب إلى أن الحل يكمن مؤقتاً في تحسين استخدام وتداول النقود الموجودة في غزة حالياً من قبل الجميع تجاراً ومواطنين، موضحاً أن ورقة النقد تظل محتفظة بقيمتها طالما أنها كاملة ومستوفية بياناتها، ومن حق المواطن تداولها.
وذكر أن رفض البعض التعامل بالنقد التالف نسبياً والذي يتمتع بحالة مادية مقبولة هو أمر متعلق بالنواحي النفسية أكثر من النواحي المالية وأرجع ذلك إلى عدم الوعي في هذا الجانب.
ووافقه أبو شهلا الرأي قائلاً إن العملة أياً كانت تحتفظ بقيمتها ما دامت محتفظة بكامل بياناتها، موافقاً على أن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى أسباب نفسية ناهيك عن حالة النقد السيئة، وطالب الجميع بعدم مفاقمة الأزمة دون مبرر.
وأشار إلى أن المواطن أو التاجر لا يريد الدخول في حالة "رمادية" بالنسبة إذا ما كانت الورقة النقدية قابلة للاستخدام أم لا، مناشداً كافة المتعاملين بتفهم الوضع الراهن وأن يتعاونوا سوياً حتى تنتهي هذه القضية.
في المقابل، أكد أبو شهلا أن "استمرار الإغلاق وعدم ديمومة نقل الأموال بشكل طبيعي سيراكم الأمر من جديد لندخل في متاهة أزمة جديدة دون حل"، متوقعاً ألا يكون هناك حل جذري إلا برفع الحصار وضمان حرية عمل الجهاز المصرفي الفلسطيني.
وأضاف "المصارف تعيش مسلسلاً من المعاناة وبالذات في القطاع، فبعدما كانت فروعنا هنا مصدراً للدخل وزيادته أضحت عائلاً يستنزف مواردنا".
وفي ظل هذه الظروف، تعمل سلطة النقد الفلسطينية على توفير ما أمكن من نقد ورقي ومعدني للاستبدال أو لتلبية احتياجات السوق من مبالغ جديدة ودعم الجهاز المصرفي ليواصل العمل بقوة في القطاع.
وقال مدير إدارة مراقبة المصارف في سلطة النقد رياض أبو شحاته إن الجهود مستمرة من أجل إنهاء هذه المعاناة، حيث تم إدخال 425 مليون شيقل و40 مليون شيقل لاستبدال التالف منذ بداية العام الحالي، وأواخر الشهر الماضي تم إدخال 30 مليون شيقل إلى القطاع للاستبدال.
وأضاف أبو شحاته لوكالة "صفا" ما زالت المحاولات مستمرة بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وجهات دولية أخرى من أجل تأمين نقل ما يحتاجه القطاع من أموال.
وذكر أن ما تبقى من نقد تالف في غزة يقدر بعدة ملايين من الشواقل، آملاً أن تكلل الجهود بالنجاح من أجل ألا تتراكم الأزمة وتتضاعف، خاصة في ظل شهر رمضان وحلول عيد الفطر بعده.
وأكد أن هناك وعوداً بنقل مبالغ إضافية أخرى من عملات الشيقل، فضلاً عن عملات الدولار والدينار واليورو، التي تعاني المصارف والسوق في غزة نقصاً كبيراً منها.
وأوضح أن العراقيل الإسرائيلية تقف عائقاً أمام تحويل المبالغ المطلوبة باعتباره من أساليب الحصار المشدد على القطاع، الذي يجب التعاون من أجل إنهائه محلياً وإقليمياً ودولياً حتى يتمكن الجهاز المصرفي من استرداد عافيته وتعود الحياة في غزة إلى طبيعتها.
