بينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التوصل إلى ما وصفه بـ"الاتفاق التاريخي" لبدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب على قطاع غزة، ترسم المعطيات الميدانية صورةً متناقضة بالكامل، إذ تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاغتيالات وقصف المنازل والخيام فوق رؤوس ساكنيها، متسببةً في ارتقاء المزيد من الشهداء والجرحى.
وأثارت الفجوة الحادة بين التصريحات السياسية الصادرة عن "مجلس السلام" والبيت الأبيض والواقع المضرّج بالدم، موجة عارمة من الاستنكار والتساؤلات بين الناشطين والصحفيين والمواطنين في القطاع حول الجدوى الحقيقية لتلك الإعلانات السياسية والضمانات الدولية.
تساؤلات الناشطين
وعبر منصات التواصل الاجتماعي، عبّر عدد من الناشطين والإعلاميين في غزة عن سخطهم جراء استمرار العدوان رغم الحديث المتكرر عن التهدئة والدخول في المراحل التنفيذية للاتفاق.
وكتب الناشط جميل أبو الحسن عبر حسابه على "فيس بوك": "ترمب يخرج ليعلن للعالم عن اتفاق تاريخي والدخول في المرحلة الثانية لوقف الحرب.. وفي الوقت نفسه نسمع صوت الانفجارات والقصف المستمر. عن أي اتفاق يتحدثون، بينما الموت هو الشيء الوحيد الموجود في شوارعنا؟".
وقالت الناشطة ريحانة عمر في منشور لها: "ليل غزة.. قصفٌ لا يتوقف، ودمار يمتد في كل اتجاه. غارات عنيفة تستهدف المنازل والأحياء السكنية في مناطق متفرقة من قطاع غزة، فيما تتواصل عمليات القصف وسط أصوات الانفجارات التي لا تهدأ. ليلة جديدة تُضاف إلى سجل الحرب.. وليل غزة ما زال مثقلًا بالنار والركام".
وكتب المدون محمد ناجي عبر "فيس بوك": "تُصرّ الإدارة الأمريكية على تصدير السراب السياسي للإعلام، بينما الواقع في غزة يقول إن إسرائيل تستخدم مصطلح المرحلة الثانية غطاءً سياسيًا لاستكمال تدمير المربعات السكنية، أين الضمانات الدولية من استهداف شقق المواطنين والخيام كل يوم؟".
وتساءلت الناشطة أحلام خلة، وقالت: "الورق في واشنطن يتحدث عن السلام واللجان الإدارية، والأرض في غزة تتحدث بلغات القصف والنزوح. لا يوجد اتفاق يُحترم عندما يظل المواطن بانتظار صاروخ يستهدفه في أي لحظة".
خروقات واستهدافات متتالية
ميدانيًا، تجسّدت الخروقات الإسرائيلية المتواصلة عبر تصعيد مكثف للقصف بالطائرات الحربية والمروحية والمسيّرات والمدفعية، بالإضافة إلى إطلاق النار، على امتداد القطاع.
ومنذ إعلان "الاتفاق التاريخي"، وفق توصيف ترمب، قتلت قوات الاحتلال 26 مواطنًا، أكثر من نصفهم أطفال ونساء، وأصابت العشرات، ودمّرت 7 منازل وشقق سكنية، وخيامًا للنازحين، ومستودعًا للأدوية والمستلزمات الطبية، بالقطاع.
ومنذ فجر اليوم- حتى إعداد التقرير- استشهد 18 مواطنًا، بينهم أربعة أطفال وثلاث سيدات، في أحدث الخروقات الإسرائيلية المستمرة.
وتعكس البيانات الصادرة عن وزارة الصحة تسارع نزيف الدماء في القطاع بشكل حاد، إذ تجاوز إجمالي شهداء الخروقات الإسرائيلية منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 حاجز 1,230، بالإضافة إلى آلاف الجرحى.
وتُظهر تلك الأرقام الفادحة أن السياسة الميدانية لجيش الاحتلال هي الاستمرار في القتل والتدمير وتوسيع النقاط العسكرية شرقي القطاع بصرف النظر عن جهود الوسطاء والدول الضامنة.
ويرى مراقبون وحقوقيون أن استمرار التصعيد الإسرائيلي ضد المنازل والمؤسسات الصحية بالتزامن مع إعلان ترمب البدء بالمرحلة الثانية يضع جميع الأطراف الضامنة والوسطاء في مواجهة اختبار أخلاقي وقانوني، فإما إلزام الاحتلال بوقف شامل وفوري لأشكال القصف والإبادة كافة، أو الاعتراف بأن هذه التفاهمات السياسية تبقى حبرًا على ورق يدفع الفلسطيني ثمنها من دمه كل يوم.
