web site counter

ألف يوم من الإبادة.. كيف أخفق العالم في محاسبة "إسرائيل"؟

ألف يوم من الإبادة.. كيف أخفق العالم في محاسبة "إسرائيل"؟
غزة - خــاص صفا

بصورة يومية، تواصل "إسرائيل" ارتكاب عمليات قتل وتجويع المدنيين في قطاع غزة، ضاربةً بعرض الحائط كل القوانين والمواثيق الدولية التي تصنف ذلك على أنه "جرائم حرب".

ومنذ ألف يوم، يعيش أهالي غزة في مستنقع من المعاناة والظروف القاسية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي الذي دمر كل مناحي الحياة، في ظل حرمانهم من أبسط الحقوق، وفي مقدمتها المياه والغذاء والمأوى والكهرباء.

وفي 29 ديسمبر 2023، قدمت جنوب أفريقيا دعوى قضائية لدى محكمة العدل الدولية في لاهاي، تتهم "إسرائيل" بارتكاب أفعال إبادة جماعية في قطاع غزة، مطالبةً المحكمة بإصدار تدابير مؤقتة من أجل الحماية من أي ضرر جسيم وغير قابل للإصلاح لحقوق الشعب الفلسطيني بموجب اتفاقية الإبادة الجماعية، وضمان امتثال "إسرائيل" لالتزاماتها بموجب الاتفاقية.

ثم أصدرت المحكمة في 26 يناير 2024 قرارًا ملزمًا في القضية، حيث قررت أن هناك أساسًا معقولًا للاعتقاد بأن "إسرائيل" ترتكب جرائم إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني خلال هجومها العسكري على غزة.

وفرضت المحكمة تدابير مؤقتة تشمل إلزام "إسرائيل" بمنع الإبادة الجماعية، وضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية للفلسطينيين، إضافة إلى منع ومعاقبة التحريض على ارتكاب الإبادة الجماعية.

ومنذ بدء الدعوى القضائية، أصدرت محكمة العدل الدولية ستة تدابير مؤقتة، تحدتها "إسرائيل" ولم تمتثل لأي منها.

وترى هيئات معنية بحقوق الإنسان أن العالم أخفق في ملاحقة "إسرائيل" ومحاسبتها على جرائمها المتواصلة في غزة، مؤكدة أن "أدلة لا تعد ولا تحصى" تثبت أن ما يرتكبه الاحتلال في القطاع هو "إبادة جماعية".

أدلة كثيرة

نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير زقوت، يقول إن "الموضوع تجاوز فكرة أن نقول إن ما نشهده في غزة هو إبادة جماعية".

ويوضح، في حديث مع وكالة "صفا"، أن المؤسسة المعنية بالإبادة الجماعية، والتي تضم خبراء من كل دول العالم، أكدت أن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية، ليس فقط في غزة، بل حتى في الأراضي الفلسطينية المحتلة عمومًا.

ويشير زقوت إلى أن المعيار في الحكم على أن ما جرى في قطاع غزة إبادة جماعية هو القانون والقواعد الناظمة، ولاسيما حين نتحدث عن أن قتل المدنيين محظور، وأن قتلهم بشكل منظم يشكل جريمة حرب.

ويبين أن "ما تفعله إسرائيل منذ السابع من أكتوبر وإلى يومنا هذا، من جرائم قتل جماعي، من بينها غارة واحدة في جباليا (شمال قطاع غزة)، قُتل فيها نحو ألف إنسان في بدايات الحرب، هي من الجرائم المنصوص عليها بشكل واضح في اتفاقية جنيف الرابعة".

ويضيف زقوت "حين تحدثت المحكمة الجنائية الدولية عن القضايا أو الجرائم التي تقع تحت ولاية المحكمة، قالت إن كل انتهاك جسيم لاتفاقية جنيف الرابعة يشكل جريمة حرب، وبالتالي يقع تحت الولاية".

ويردف "حين تتحدث عن الاستهداف المنظم لسكان قطاع غزة كمجموعة، من خلال هذا القتل الجماعي والتدمير واسع النطاق، وتدمير المساكن والبنية التحتية والمنشآت التي لا غنى عنها لحياة السكان، حينئذ نتحدث عن جريمة ضد الإنسانية".

ويتابع المختص الحقوقي: "حين نتحدث أيضًا عن التجويع والحصار ومنع الغذاء والدواء، وعن منع نقل وإخلاء الجرحى والمرضى في ظل انهيار المنظومة الصحية بسبب الهجمات المنظمة، نتحدث عن جرائم ضد الإنسانية تستهدف فئة عرقية أو إثنية أو دينية، وهي طبعًا ترتكب بشكل يومي منذ حوالي 3 سنوات".

وينوه إلى أن "إسرائيل"، من خلال تصريحات مسؤوليها منذ اليوم الأول، نزعت صفة الإنسانية عن السكان الذين يزمع أو يخطط لارتكاب إبادة بحقهم، وكانت هذه مقدمةً ومن أهم الشروط للإبادة.

ويقول زقوت: "عندما نأتي إلى الإبادة الجماعية، فهي مفصلة، وتوجد أربعة معايير في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، أولها عمليات القتل الجماعي للمدنيين، وليس المقصود قتل السكان جميعًا، ولكن أن تستهدف جزءًا من السكان بالقتل، فهذا يأتي في سياق الإبادة الجماعية".

ويلفت أيضًا إلى أن "التدابير الاحترازية العشرة الأولى لمحكمة العدل الدولية، والتدابير التي تلتها، تؤكد أن المحكمة لديها اعتقاد كبير بأن ما يجري في غزة هو إبادة جماعية، لكن إسرائيل تناقضت تمامًا مع هذه التدابير".

ويشير زقوت إلى أن "إسرائيل" لا تزال تمنع الكهرباء، وتحظر دخول الوقود بشكل انسيابي وطبيعي، وتمنع دخول زيوت المحركات وقطع غيار المحركات والمولدات المتهالكة التي صُنعت لتكون في لحظات الطوارئ.

ويضيف أن "أي عاقل محايد تضع أمامه ما تقوم به إسرائيل وما يقوله القانون يصل إلى هذه الخلاصة (ارتكاب إبادة جماعية) بهدوء شديد، بدون جهد كبير".

تواطؤ دولي

إلى ذلك، يعتقد زقوت أن "ملاحقة إسرائيل على جرائمها بغزة قائمة، وذلك بالنظر إلى مذكرات التوصيف التي صدرت عن المحكمة الجنائية الدولية، وقرارات محكمة العدل الدولية بأن هذا الاحتلال غير شرعي، وأن على الدول أن تتخذ ما استطاعت من تدابير لإنهائه".

ويستدرك قائلًا: "لكن المشكلة هي في أداء الدول وعدم ممارستها ضغطًا فعليًا لوقف هذه الإبادة".

ويضيف زقوت "نحن كمنظمات حقوقية نعمل على الأرض، سواء المؤسسات المحلية أو الدولية، والكل أجمع على ارتكاب إبادة جماعية".

ويتابع "الذي بإمكانه تحويل المعلومات والتقارير التي تصدر صباح مساء إلى فعل لوقف الإبادة الجماعية، ولحماية السكان المدنيين، هي الدول، ولكن للأسف دول العالم كانت كلها متواطئة، ولم نجد جهدًا عربيًا أو إسلاميًا لوقف الإبادة".

ويردف "لم نجد ضغطًا معلنًا في الاقتصاد والسياسة، باستثناء بيانات الإدانة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تتخذ أي دولة عربية وإسلامية جهودًا فعالة وجدية لوقف الإبادة، وللضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وغرب أوروبا، الذي انخرط في الإبادة وكان شريكًا فيها".

ويؤكد أن "أوراق القوة في الاقتصاد والسياسة لدى الدول العربية والإسلامية قادرة على وقف الإبادة خلال ساعة واحدة".

ويرى المختص الحقوقي أن "الدول، طالما واصلت التحلل من التزاماتها، ستظل الإبادة مستمرة، ولذلك هي مستمرة حتى اليوم".

ويشير زقوت إلى أن الحصانة هي التي لعبت دورًا في تشجيع قوات الاحتلال على ارتكاب هذه الجرائم وتصعيدها، لأنهم يشعرون بالحصانة ضد العقاب والملاحقة.

غياب المساءلة

أما المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان فيؤكد أن غياب المساءلة المتأصل في النظام الدولي، والحصانة التي تتمتع بها "إسرائيل"، بدعم من حلفائها الغربيين، هو ما شجعها على استمرار تحديها السافر للقانون الدولي.

ويشدد المركز، في بيان بمناسبة مرور ألف يوم على الحرب، على أن "ما جرى في غزة جريمة إبادة جماعية تُبث على الهواء مباشرة على مرأى ومسمع العالم".

ويقول: "منذ الأيام الأولى للعدوان، تقاطعت التصريحات والقرارات الإسرائيلية الرسمية مع الهجوم العسكري واسع النطاق، لتدلل بما لا يقبل أي تأويل أن مجمل الأفعال والممارسات الإسرائيلية هي نهج واضح بتنفيذ جريمة إبادة جماعية تستهدف الفلسطينيين كمجموعة قومية، ليس فقط من خلال القتل، بل أيضًا تدمير سبل الحياة الآن ومستقبلًا".

ويضيف المركز "منذ اللحظة الأولى للهجوم العسكري الإسرائيلي واسع النطاق، كان هدف ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية واضحًا، وانعكس ذلك في أمرين: أولًا، النية بارتكاب الإبادة الجماعية، وهو ما صرح به القادة السياسيون والعسكريون في دولة الاحتلال علانية أمام وسائل الإعلام، مقرونةً بقرارات اتخذتها الدولة".

بينما الأمر الثاني، بحسب المركز، هو الأفعال التي ارتكبتها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة وتأثيراتها المباشرة وبعيدة المدى، بما في ذلك القتل والتدمير وإلحاق أذى جسدي، وتدمير سبل الحياة، وخلق واقع يستحيل معه بقاء الفلسطينيين كمجموعة قومية.

ويتابع "على مدار 1000 يوم، دكت قوات الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة بآلاف الأطنان من القنابل التي يصل وزن بعضها إلى 1000 كيلوغرام للواحدة، مستهدفة المدن والأحياء السكنية والمرافق الحيوية الصحية والتعليمية والخدمية".

ويشير إلى أن مدنًا وأحياءً سكنية دمرت بالكامل، وآلاف المنازل السكنية دمرت على رؤوس قاطنيها، فضلًا عن المستشفيات والمراكز الطبية ومرافق الإسعاف والدفاع المدني التي تم استهدافها وتدميرها.

إضافة إلى ذلك، جرى تدمير الجامعات والمدارس وشبكات الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي، كما دمرت المنشآت الاقتصادية الحيوية من مزارع ومصانع وأسواق تجارية ومرافئ صيد، وتعرضت للقصف والتدمير.

ويلفت المركز إلى أن أكثر من 2 مليون نسمة شردوا من منازلهم بفعل القصف ومئات أوامر الإخلاء التي طالت كل أنحاء القطاع، وأُجبروا على النزوح مرارًا بحثًا عن مكان آمن، ليجدوا أنفسهم محصورين في مراكز إيواء وخيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.

ويشير إلى أن قوات الاحتلال منعت تدفق المساعدات الغذائية والطبية والاحتياجات الأساسية، وفرضت حصارًا مشددًا، واستخدمت التجويع كأداة حرب.

ويتابع أن إجراءات الاحتلال شملت أيضًا حملات اعتقال واسعة النطاق، حيث تعرض آلاف الرجال والنساء والأطفال إلى أساليب تعذيب وحشية، أسفرت عن استشهاد العشرات من المعتقلين.

وقتلت قوات الاحتلال 73,110 مواطنًا وأصابت 173,599 آخرين في القطاع منذ 7 أكتوبر 2023، وفق آخر إحصائية لوزارة الصحة، في وقت ما زال أكثر من 7 آلاف في عداد المفقودين تحت الأنقاض.

م ز/أ ج

/ تعليق عبر الفيس بوك