تئن "رهف" ليلًا من الجوع، تُوقظ والدتها التي لا تملك حولًا ولا قوةً سوى البكاء على ابنتها التي فقدت وزنها بشكل مخيف، بسبب المجاعة المتفشية بقطاع غزة.
وتشتهي رهف الحليب والعسل والفواكه والخضار، وهي منذ حوالي 3 أشهر، لا تتناول طعامًا، سوى خبزةٍ تحاول أن تسند بها معدتها، كمن ربط حجرًا على بطنه، كي لا تموت جوعًا، في نموذج جديد للمجاعة التي تضرب قطاع غزة.
ولا تقوى الطفلة رهف (12عاما) من حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، على الوقوف، وإن حاولت تسقط أرضًا.
وتخيم المجاعة على قطاع غزة، الذي يعاني أهله، سيما الأطفال، من انعدام مصادر الغذاء، بسبب الإغلاق الإسرائيلي المحكم للمعابر، ومنع إدخال المساعدات والإمدادات الغذائية والطبية وغيرها، للشهر الثالث على التوالي.
وتقول والدتها شروق عياد، في حديث لوكالة "صفا"، إن "رهف تعاني من سوء تغذية وأمراض لا نعرف ما هي، وتحتاج لحمية ونظام غذائي معين، من فواكة وخضار وحليب وعسل، وكلها غير متوفرة".
وتضيف: "ابنتي لا تأكل شيئًا، إلا قطعة من الخبز في اليوم الواحد، وأنا لا أقدر على توفير الغذاء لها، بسبب ضيق الحال".
وتتعرض رهف لمضاعفات مع كل يوم يمر دون التغذية السليمة المطلوبة لها.
وحسب والدتها فهي "لم تعد تقف ولا تمشي إلا بمساعدة أحد، وشعرها أصبح يتساقط، وهذا أكثر شيء دمّر نفسيتها في هذه الفترة".
وببراءة تستيقظ رهف كل ليلة تبكي لوالدتها آلامها الجسدية والروحية، وتقول "ماما بدي أصلي مش قادرة، قدماي توجعانني".
ومنذ 2 مارس/آذار المنصرم لم تدخل أي مساعدات لقطاع غزة، بسبب إغلاق المعابر.
فقدان سريع للوزن
وأجرى أهل رهف فحوصات عديدة لها، ولا تتوقف الأم عن طرق أبواب العيادات والمستشفيات، وهي رحلة عذاب أخرى تواجهها.
وكما تقول أمها "ما خليت لا عيادة ولا مستشفى، وفحوصات كثيرة عملتها لرهف مكلفة جدًا بعضها يحتاج 600 شيقل، وفوق كل هذا دم ابنتي خلّص من كثرة سحب عينات منه للفحوصات".
وتتلقى والدة رهف مبلغ 300 شيقل عبر التطبيق البنكي، من أصل 600 شيقل هو راتب زوجها، ويصلها نصفه بسبب نسبة سحب العمولة العالي، وتخصص المبلغ لـ"مشاوير المستشفيات والفحوصات".
وبسبب انعدام مصدر الدخل والغذاء الذي تعاني منه، فقدت رهف وزنها من 37 كيلوغرام لـ12كيلوغرام.
ومن المضاعفات التي تواجهها رهف أنها لم تعد تتقبل "خبزة الزعتر التي تحاول والدتها إقناعها بتناولها كل يوم، لتسد جوعها".
وتتساءل الأم "لمن أذهب وكيف أوفر لها الغذاء اللازم لها لتقف على رجليها.. ابنتي لم تعد تتقبل طعام بسبب مشاكل في معدتها، سببها الجوع وحالتها الصعبة".
ولرهف شقيق هو "مصطفى"، عانى ما تعانيه، ولكن حالته أفضل بكثير منها، حسب والدتها.
وتناشد عائلة الطفلة الجهات المختصة بتوفير الطعام اللازم لها، وإنقاذ حياتها في ظل تدهور حالتها الصحية يومًا بعد يوم.
وحتى 1 أبريل/نيسان المنصرم، ارتقى 32 شخصاً، بينهم 28 طفلاً، بسبب سوء التغذية والجفاف في مستشفيات شمال غزة.
ويعاني أكثر من مليون طفل بغزة من الجوع اليومي، ونُقل نحو 65 ألفاً منهم إلى المستشفيات بسبب سوء التغذية الحاد، وفق المكتب الإعلامي الحكومي.
ودخل القطاع مرحلة غير مسبوقة من الخطورة، في الأزمة الإنسانية، سيما بعد بعد إعلان وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) نفاد مخزون الطحين بالكامل، وإعلان برنامج الغذاء العالمي انتهاء كمية الطعام لديه، الأسبوع الماضي.
ومنذ نحو ثلاثة أشهر، تمنع "إسرائيل" بشكل كامل دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، بعد أن أغلقت في 2 مارس/آذار معابر كرم أبو سالم، وزيكيم، وبيت حانون، مما أدى إلى توقف دخول الإمدادات الغذائية والوقود والدواء.
ويعتمد نحو 2.4 مليون فلسطيني في القطاع اعتماداً شبه كلي على المساعدات الخارجية، التي توقفت تماماً منذ ذلك التاريخ، ما فاقم من خطر المجاعة، خصوصاً في صفوف الأطفال والمرضى.
واستأنفت "إسرائيل" حرب الإبادة على غزة منذ 18 مارس المنصرم، بعدما تنصلت من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي سرى في 19 يناير الماضي، واستمر حوالي شهرين.
وترتكب "إسرائيل" منذ أكتوبر عام 2023، بدعم أمريكي، حرب إبادة في غزة، راح ضحيتها ما يزيد عن 51 ألف شهيد، إضافة لمئات الآلاف من الجرحى، وعشرات الآلاف من المفقودين.
