عقد الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة العامة مؤتمره السنوي في رام الله تحت عنوان (سياسة الإصلاح المال وإدارة المال العام)، والذي استعرض فيه أداء الموازنة العامة للنصف الأول من العام 2022.
كما استعرض المؤتمر عرضًا مقارنًا ما بين سياسات الإصلاح المعلنة بدءاً من استراتيجيات إدارة المال العام، وصولاً إلى خطة الإصلاح التي أعلنت عنها الحكومة الفلسطينية خلال مؤتمر المانحين للسلطة الوطنية الفلسطينية في بروكسيل في ايار 2022، والواقع الفعلي.
"الحكومة تتجاهل المجتمع المدني"
واستُهِلّ المؤتمر بكلمة من رئيس مجلس إدارة ائتلاف أمان (سكرتاريا الفريق الأهلي)، عبد القادر الحسيني، الذي عرّج بدوره على أهم المفاصل التي اتسمت بها المرحلة الحالية من استمرار حالة تأجيل الالتزامات المالية، ودفع نسبة من رواتب الموظفين العموميين، وتراكم المتأخرات والديون المترتبة على الحكومة، وضعف التدابير والإجراءات المتخذة لإصلاح إدارة المال العام، والاستمرار بتجاهل ممثلي المجتمع المدني، والتفرد في القرارات المترافقة بضعف في الشفافية ونشر المعلومات للمواطنين، بالرغم من مطالبات الفريق الأهلي المستمرة بإشراك المجتمع المدني للمشاركة والنقاش حول سبل ضبط الانفاق، وضبط العجز المالي.
وأكد الحسيني في كلمته أن أهمية مؤتمر الموازنة لهذا العام والمؤتمرات التي سبقته تكمن في اطلاع المواطنين- ممولي الخزينة العامة- على الموازنة العامة وآليات الإنفاق، وسياسات إدارة المال العام، وبمشاركة ممثلي القطاع الحكومي وممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص، وهو ما يعزز مبدأ المشاركة المجتمعية، وحق المواطن في الاطلاع والمشاركة في تحديد أولويات الانفاق.
وجدد الحسيني مطالبة الفريق الأهلي للحكومة بضرورة التزامها باحترام العمل بموجب مبادئ الشفافية، وذلك بنشر المعلومات الخاصة بالموازنة العامة في الوقت المناسب، مطالبًا بالانفتاح أكثر على المجتمع المدني، وتوفير التقارير والبيانات اللازمة، والتعامل مع توصيات الفريق الأهلي بشكل جدّي، مثمنًا بدوره تعاون ديوان الرقابة المالية والادارية، ومشاركتهم المؤتمر.
تراجع بشفافية الموازنة
ففي الجلسة الأولى للمؤتمر؛ استعرضت الباحثة لميس فراج، منسقة الفريق الأهلي، التقرير النصف سنوي حول أداء الموازنة العامة 2022، مشيرة الى جملة من ملاحظات الفريق الأهلي في ظل الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، حيث تعهدت الحكومة الفلسطينية خلال هذا العام بتبني سياسات بهدف تحقيق رزمة من الإصلاحات المالية، منها: فاتورة الرواتب والنظام الصحي (فاتورة العلاج في الخارج) وصافي الإقراض، إضافة إلى خطة الإصلاح التي تم تسليمها للدول المانحة خلال مؤتمر المانحين للسلطة الوطنية الفلسطينية في بروكسل في أيار الماضي، والتي تضمنت العمل على إصلاحات مالية، إضافة إلى اصلاحات إدارية، واقتصادية، واجتماعية، وإصلاحات الأمن والنظام العام، وجميعها غير منشورة للمواطن، دافع الضرائب الأول.
وأوضحت فراج مصادقة الرئيس على قرار بقانون بشأن الموازنة العامة للسنة المالية 2022 في آخر يوم منحه القانون كحالة استثنائية لإقرار الموازنة العامة، أي بعد مضي 3 أشهر عن العام الجديد، حيث تم نشرها بشكل مختصر ودون أي توضيحات للإنفاق على مراكز المسؤولية، كما لم يتم أيضا نشر موازنة المواطن للعام 2022، بما شكل خرقا للقواعد النظامية والدستورية، إضافة أنه لم تقم وزارة المالية بإصدار تقرير مالي مفصل عن الشهور الستة الأولى من العام. كما لم يتضمن مشروع الموازنة ما يتعلق بالحساب الختامي للفترة السابقة، إذ اكتفت وزارة المالية بنشر الحساب الختامي المدقق على موقعها فقط باللغة الانجليزية عن الأعوام 2018-2019.
وأشارت فراج في ورقتها الى اطلاع ديوان الرقابة المالية والإدارية على الحساب الختامي، والذي أظهر بدوره العديد من التحفظات على البيانات المالية الواردة من وزارة المالية، والتي شملت مخالفات قانونية، ومخالفات في المعايير المحاسبية، وتحفظات على العديد من المبالغ، وغياب للعديد من الايضاحات الضرورية.
وأشارت ورقة فراج الى تحسن جزئي في تحصيل الإيرادات الحكومية، حيث أعزت ذلك إلى الارتفاع في الأسعار سيما أسعار المواد الأساسية للإنتاج، إضافة إلى تحسن جزئي في توسيع القاعدة الضريبية والربط بين الالكتروني في الدوائر الضريبية، منوهة أنه ليس بالتحسن المطلوب، وذلك بحسب المؤشرات خلال الست شهور الأولى من 2022، إذ لم يتم إقرار إصلاحات في النظام الضريبي والقوانين الضريبية كما ورد في قانون الموازنة العامة استنادا لاستراتيجية تنمية الايرادات 2022-2024.
وفي جانب الانفاق؛ أظهرت الورقة وجود فجوة بين الإنفاق المتحقق على أساس الالتزام وعلى الأساس النقدي، بما يشير الى زيادة المتأخرات، وبالتالي زيادة الأعباء المالية المترتبة على الحكومة، إذ بلغ إجمالي المتأخرات المتراكمة للنصف الأول من العام 2022 (2.15) مليار شيكل، علما بأن إجمالي (10.9) مليار شيكل نهاية شهر حزيران.
وأظهرت الأوراق المقدمة في المؤتمر الى استمرار خسارة الخزينة العامة من ضريبة المحروقات، إذ جرى خلال عام 2019 اتفاق مبدأي بين وزارتي المالية الفلسطينية والإسرائيلية على مبدأ أن تقوم السلطة الوطنية بشراء الوقود بسعره الأصلي دون تسديد ضريبة البلو، إلا أن الاتفاق لم ينفذ، حيث لا يزال تحصيل تلك الضريبة من خلال المقاصة مخصوم منها 3%، علما بأنه لو تم شراء الوقود من الشركات الاسرائيلية دون ضريبة، وتم فرض الضريبة وتحصيلها محليا، سيتم توفير ذلك في زيادة الإيرادات الضريبية. وأشارت الأوراق الى عدم وجود سياسة جدية وفعالة لوقف أشكال التسرب المالي الناجمة من استمرار الاستيراد من خلال الجانب الاسرائيلي، إذ ما زالت الجمارك المتحققة عن طريق المقاصة تشكل حوالي 5 أضعاف الجمارك المتحققة محليا.
وعقب معاوية أسعد، مدير عام الإدارة العامة للرقابة على الاقتصاد من ديوان الرقابة المالية والإدارية، على تحفظات الديوان، مشيرًا إلى تحكم الاحتلال الاسرائيلي بأموال المقاصة، إذ لا يوجد إفصاح من قبل الاحتلال ولا حتى تدقيق داخلي فلسطيني على اقتطاعات الصحة، والماء والكهرباء والمحاكم، بالإضافة الى عدم تمكن وزارة الصحة الفلسطينية من تدقيق ومراجعة صحة المبالغ والفواتير التي يتم خصمها بشكل شهري والتحقق من المطالبات المالية الصادرة عن المستشفيات الاسرائيلية. ونوّه أسعد الى تحفظ الديوان على عملية خصم 3% للبترول، والمقدرة بـ100 مليون شيكل، مشيرا أن عملية شراء المحروقات من الاحتلال (مدفوع قيمة البلو والقيمة المضافة) تزيد من تحكم الاحتلال في عملية المقاصة.
إصلاح الرواتب
من ناحيته، استعرض عضو الفريق الأهلي، مؤيد عفانة في الجلسة الثانية للمؤتمر ورقته بعنوان: "سياسات إدارة المال العام واستراتيجيات الاصلاح والخطط الوطنية لتنفيذها 2017-2022"، والتي حلل فيها الخطط الوطنية واستراتيجيات إدارة المال العام وخطط الإصلاح المالي منذ العام 2017 ولغاية العام 2022، فاحصا ما تحقق مع المخطط منها.
وأشارت الورقة إلى عدم وجود تعديل على فاتورة الرواتب خلال النصف الأول من العام، إذ لم يتم البدء في تنفيذ خطة الإصلاح ومجموعة التدخلات لمعالجة فاتورة الرواتب وتخفيضها، حيث بلغ الانفاق على بند الرواتب والأجور قرابة 50% من المقدر لهذا العام.
كما لوحظ عدم صدور تعديلات على الموازنة المقدرة رسميا في السنوات الثلاث الأخيرة، رغم إصدار مناقلات عديدة كانت تتطلب صدور قانون تعديل للموازنة، وتحديدا بشأن فاتورة الرواتب وأشباه الرواتب ورواتب عدد من الموظفين العاملين خارج إطار المؤسسات الحكومية.
وبهذا الخصوص، أوصى الفريق الأهلي إضافة الى ضبط فاتورة الرواتب من خلال تنقية الفاتورة، وايجاد حلول للموظفين غير المدرجين على التشكيلات الإدارية، وجسر الفجوة بين رواتب الفئات العليا والدنيا، وإقرار قانون محدث للخدمة المدنية، يتضمن مبادئ العدالة.
56% من الاقتطاعات تذهب للكهرباء
وأنشأت الحكومة شركة حكومية لتتولى استيراد الكهرباء بشكل حصري، إلا أن بنيتها التحتية غير منجزة بعد، إذا أن 56% من الاقتطاعات (من المقاصة) تذهب للشركات المزودة للكهرباء، واستمرار إشكاليات ديون الهيئات المحلية المتعلقة بالكهرباء، إضافة أنه لا يزال بند صافي الإقراض يستنزف أكثر من مليار شيقل سنويا.
كما بلغ الإنفاق التطويري على وزارة الصحة (9) مليون شيقل بنسبة 2%، بما يتناقض مع الأهداف المعلنة حول إصلاح النظام الصحي، وإصلاح نظام التحويلات الطبية والتأمين الصحي، وتطوير الخدمات الحكومية، فيما تم إنفاق 17 مليون شيقل منها أي 26% على بنديْ "إعادة تأهيل الأجهزة الأمنية، ودعم البرنامج السياسي والأمني للرئيس"، بالإضافة إلى 2 مليون شيقل لإنشاء وتجهيز مبنى هيئة مكافحة الفساد، ما يثير تساؤلاً حول أولويات الانفاق التطويري وضرورة إنشاء المباني في ظل التحديات المالية، خاصة في ظل زيادة العجز وتراكم المتأخرات.
وقد أوصى الفريق الأهلي بضرورة معالجة قضية التحويلات الطبية من خلال منهجية علمية تحافظ على حق المواطن في الخدمة الصحية، ومن خلال رافعة نظام التأمين الصحي الشامل.
وفيما يخص موازنة وزارة التنمية الاجتماعية، فقدرت ب (827) مليون شيقل أي بنسبة 5% من إجمالي الموازنة. وخلال النصف الأول من العام، لم يتم تحويل سوى دفعة واحدة من مستحقات العائلات الفقيرة، علمًا أن هناك حوالي 116 ألف أسرة مستفيدة من برنامج المساعدات النقدية، كذلك لم يتم تحويل مخصصات أسر الشهداء كاملة، وانما 80% من مخصصاتهم شهريا.
وعليه، أوصى الفريق الأهلي بضرورة الالتزام بدفع مخصصات الفقراء، وتحويل الدفعات كاملة من قبل وزارة المالية لتقوم وزارة التنمية الاجتماعية بإيصالها لمستحقيها، على نحو يضمن العدالة الاجتماعية.
الديّن العام وصل 12.1 مليارًا
في تناقض مع ما يتم الإعلان عنه من قبل وزارة المالية بشأن التوجه نحو تخفيض الدين العام، تشير بيانات وزارة المالية الفلسطينية إلى ارتفاع الدين العام في نهاية شهر يونيو 2022 حيث بلغ (12.1) مليار شيقل، منها (7.6) مليار شيقل دين محلي، و(4.5) مليار شيقل دين خارجي، بالإضافة الى افتقاد توضيح وزارة المالية لماهية المؤسسات التي تم الاقتراض منها، كما لا يظهر التقرير الديون المتراكمة على الحكومة لصالح هيئة التقاعد.
"الإصلاح مطلب وطني"
وفي مداخلته، عرض الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم، بعض التدخلات المقترحة لمعالجة الأزمة المالية للسلطة، انطلاقُا من كون المواطن المساهم الرئيسي في تغطية أكثر من 85% من الإنفاق العام، ما يعزز من حقه في مساءلة الحكومة عن السياسات العامة والمشاركة فيها.
وأكمل عبد الكريم بأن الإصلاح يجب أن يكون نتيجة وليس سببا، لكونه مطلبا وطنيا استراتيجيا وليس موسميا، لا علاقة له بشروط المانحين، وانما عملية ممنهجة تراكمية تتطلب حوارات جدية، ضمن جدول مفصل زمنيا، مرتبطة بمؤشرات قياس، مشيرًا أنه لا يمكن تحقيق الإصلاح المطلوب بمعزل عن وجود حاضنة دستورية سياسية داعمة (المجلس التشريعي)، وهي ذات التوصية التي خرج بها الفريق الأهلي، والتي خلصت الى ضرورة إجراء الانتخابات العامة لإعادة الاعتبار للسلطة التشريعية وذلك بتحديد موعد جديد للانتخابات العامة "التشريعية والرئاسية" في آجال قريبة تتيح المجال لمشاركة واسعة للمواطنين فيها، من أجل استعادة دور المجلس التشريعي في إعمال الرقابة الرسمية على أعمال الحكومة وانفاد دورها في المساءلة على إدارة المال العام.
إصلاح إدارة المال العام
وخرج الفريق الأهلي بمجموعة من التوصيات التي من شأنها إصلاح إدارة المال العام، ومن بينها تحديد أولويات الإنفاق التطويري، وتكييف النفقات وفق الإمكانيات المتاحة، والعمل على ضبط الانفاق من خلال مراجعة وتنقية فاتورة الرواتب، ومعالجة وضبط بند صافي الاقراض، والعمل على تطوير النظام الصحي من خلال تبني نظام التأمين الصحي الشامل والالزامي وتطوير الخدمات الحكومية، وضرورة العمل بشكل جدي لضبط وانهاء بند صافي الإقراض، من خلال الزام الهيئات المحلية بالالتزام بدفع فواتير الكهرباء، بصفتها المكون الأكبر في بند صافي الاقراض.
كما دعت التوصيات إلى ضرورة التزام وزارة المالية بتوصيات ديوان الرقابة المالية والإدارية فيما يتعلق بإدارة المال العام، والواردة في التقرير المدقق للحسابات الختامية، خاصة في ظل الحاجة للحوكمة والإدارة الرشيدة لمحاولة التغلب على الأزمة المالية، وإنفاذ محاور الإصلاح للمال العام بشكل علمي ومنهجي يضمن نتائج ملموسة، وخاصة على بند صافي الإقراض، من خلال خطوات وإجراءات جوهرية، مثل إيجاد حلول لديون البلديات وشركات التوزيع، وصيغة توافقية لخدمات الكهرباء للمخيمات.
واختتم المؤتمر بإطلاق الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة- أمان (سكرتاريا الفريق الأهلي) بوابة الكترونية بعنوان موقع مرصد أمان بصيغته التجريبية(www.aman-monitor.org)، والذي يعد الأول من حيث المحتوى الذي يقدمه، إذ يوفر معلومات مُبوبة فيما يتعلق بقضايا النزاهة ومكافحة الفساد، يمكن للمواطن الوصول اليها بكل سهولة ويسر.
يعرض الموقع آخر المستجدات على منظومة الفساد ومكافحته، وآخر التقارير الرقابية الرسمية، والمراسيم الرئاسية والقرارات الحكومية، والتحقيقات الاستقصائية الكاشفة عن قضايا فساد، من باب تعزيز الشفافية والحق في الوصول للمعلومات، مفسرا برسومات بيانية واضحة الأرقام الصماء، والمعلومات المفقودة في الموازنة العامة، مع عرض لتفاصيل النفقات العامة وآليات صرفها، وحجم التمويل الخارجي، وحجم الإنفاق على العديد من القطاعات، كقطاع الصحة والتعليم والأمن، وموازنات البلديات.
