أثار إعلان رئيس الحكومة محمد اشتية مؤخرًا عن تشكيل لجنة تحقيق يقودها وزير العدل بقضية اغتيال المعارض السياسي المرشح عن قائمة الحرية نزار بنات، الذي قضى على يد أكثر من 27 ضابطًا وعنصرًا أمنيًا، حالة استغراب وعدم ثقة من هيئات حقوقية وقانونية ونقابات وفصائل محلية.
ويطالب هؤلاء بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة ونزيهة بعيدًا عن الحكومة والسلطة كونها طرفًا بهذه القضية ونتيجة لما أسموَه النتائج المخيبة للجان التحقيق الرسمية بقضايا مماثلة سابقًا، إضافة لفقدان المواطن الثقة بنتائج لجان التحقيق الرسمية وإمكانية تنفيذ السلطة والحكومة لتوصياتها ومحاسبة ومحاكمة المتورطين.
مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الانسان "ديون المظالم" عمار الدويك يؤكد أن الانطباع العام لدى الفلسطينيين بشأن لجان التحقيق الرسمية بأنها "لجان تمويت وتمييع للقضايا".
ويوضح الدويك لوكالة "صفا" أن المواطن محق بألا يثق بها كون أغلبها لم تعلن عن نتائج تحقيقاتها أو توصياتها بالخصوص، "وهو لم يسمع أيضًا عما إذا تم الأخذ وتنفيذ هذه التوصيات".
ويكمل: "عايشت تجربة شخصية بحادثة تشكيل لجنة التحقيق جاءت بقرار رئيس الوزراء بقضية الاعتداء على المحامين والصحفيين والمتظاهرين من قبل أجهزة الأمن أمام مجمع المحاكم في البيرة، وتم العمل بمهنية ونشر التقرير والتوصيات وطالبنا بمحاسبة مدير الشرطة ولم يحصل شيء، وللأسف جزء كبير من التوصيات لم يؤخذ بها من السلطة".
ويضيف الدويك: "هناك تجارب سابقة مثل تشكيل لجنة التحقيق برئاسة وزير العدل بمقتل المواطن أحمد عز حلاوة المعروف بأبو العز بمعتقل سجن الجنيد، وحتى الآن ومنذ عام 2016 لم نشاهد نتائجها أو توصياتها".
ويلفت إلى أن لجان التحقيق تكون بالأمور غير الواضحة، "وليس على غرار ما حصل مع المغدور الشهيد نزار بنات فالخصم معلوم، وتقرير الطب الشرعي مؤكد وشهادة شهود العيان واضحة".
وبشأن أسباب رفضه عضوية لجنة التحقيق بملابسات قتل بنات، يقول مدير عام الهيئة المستقلة: "قبلت أن أكون عضوًا بلجنة التحقيق فيما بات يعرف بقضية اللقاحات المنتهية الصلاحية كون أعضائها مستقلين من خارج الحكومة، "ونحقق فيه منفردين".
ويؤكد أنه في ظل غياب دور المجلس التشريعي و"ضعف تأثير الأحزاب والفصائل"، باتت مؤسسات حقوق الانسان هي التي تتصدر للدفاع عن المواطنين، وتقف أمام الاعتقال السياسي في الضفة الغربية وغزة.
لجان بتاريخ أسود
الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو يقول إن المواطن محق في تشكيكه بهذه اللجان الرسمية كونها "تمتلك تاريخًا أسودًا بهذا المجال، إذ أن السلطة شريكة بجرائم كثيرة شكلت لها لجان تحقيق".
ويبين سويرجو أن فقدان ثقة المواطن بهذه اللجان يأتي بسياق فقدان الثقة بالسلطة، نتيجة فقدانها التأثير في الشارع الفلسطيني، والذي بدوره بات يعرفها جيدًا ويعرف دورها الوظيفي".
ويوضح أن "تاريخ هذه السلطة ولجانها حافل بالنتائج المخيبة للآمال، فقضية اغتيال الرئيس ياسر عرفات والشهيد عمر النايف ومقتل أحمد علاوة في سجن الجنيد ومؤخرًا قتلهم للشهيد نزار بنات، عدا عن قضايا فساد عدة، أوكلت السلطة متابعتها والتحقيق بها لأشخاص من المفترض مساءلتهم".
ويشير سويرجو: "في قضية اللقاحات كانت أطرافها أقطاب من القائمين على هذه السلطة، فكيف يكونوا هم من يشكلون لجان التحقيق؟".
ويردف: "في ملف اغتيال بنات، رئيس الوزراء محمد اشتية وهو المكلف بوزارة الداخلية شكل لجنة التحقيق، وهو بالأصل طرفًا وموضع للمساءلة كونه المسؤول عن الأجهزة الأمنية التي قتلت".
ويلفت إلى أن "المواطن الفلسطيني بات يرى أن محاسبة اشتية جزءًا من هذه القضية، "فكيف بمن هو مدان يشكل لجنة تحقيق.. هذه معطيات ومؤشرات لعدم الثقة".
ويشير المحلل سويرجو إلى أن يكون هناك لجانًا وطنية أو قانونية محايدة باتت صعبة، مضيفًا: "هذه الحكومة كجزء من السلطة تصر أنها هي صاحبة الحق في ذلك، فهي الجهة الشرعية الوحيدة الموجود بالنظام السياسي الفلسطيني وفق وجهة نظرها، وصاحبة الحق بافتعال الجرم والتحقيق فيه".
ويبين أن الحكومة ترفض أن تكون في قفص الاتهام، وأن تفقد صلاحية تشكيل مثل هذه اللجان بأشخاص يؤدون أدوارًا وظيفية لديها، وهي سابقة لم تحدث.
ويرى أن الحكومة قد تشرك بعض الشخصيات المحايدة أو الوطنية بهذه اللجان، "والذي من الممكن الالتفاف عليهم والخروج بنتائج وتوصيات لا تُرضي هذه الشخصيات".
لجان إعمار غزة
عدم الثقة في اللجان الرسمية من قبل الفلسطينيين لم يتوقف عند تشكيل لجان التحقيق في جرائم وحوادث عنف وقمع ارتكبتها أطراف وأجهزة تتبع الحكومة، بل وصل حد رفض تشكيل السلطة والحكومة للجان أخرى لها علاقة بالإشراف والمتابعة لملف إعمار قطاع غزة.
ويشير سويرجو إلى أن عدم ثقة المواطن بإشراف الحكومة والسلطة على عملية إعادة إعمار غزة يأتي في السياق ذاته، فالمواطن بات لا يثق بهذه اللجان الحكومية.
وينبه إلى "التجربة المريرة التي عايشها المواطن مع هذه السلطة عبر فرضها عقوبات على غزة وقطع الرواتب وإذلال الموظفين والتقاعد المالي والاجباري، والتباطؤ بإعمار المنازل التي دمرها الاحتلال خلال عدوان 2014".
ويلفت سويرجو إلى ملفات الفساد التي صاحبت ملفات إعادة الاعمار عبر آليات قديمة شاركت بها السلطة جعلت المواطن يرى أنها شريكا في خنق غزة، وبالتالي لا يمكن الوثوق بها وبلجانها وأن تكون المشرف الوحيد عليها من جديد".
ويشدد على ضرورة تشكيل فريق من الجهات الوطنية والحكومية والحقوقية والمنظمات الأهلية للإشراف على إعادة الإعمار هذه المرة، لكنه استدرك أن السلطة سترفضه، "لأنه يكبل يديها في ممارسة المبيقات التي مارستها من قبل".
تجارب مريرة
مدير ومؤسس "محامون من أجل العدالة" المحامي مهند كراجة يقول إن التجارب السابقة لهذه اللجان أوصلت المواطنين لهذه النتيجة، مشيرًا إلى أنه وفي غالب التحقيقات التي باشرت السلطة والحكومة بتشكيل لجان حولها كانت هي طرفا فيها.
ويؤكد كراجة لوكالة "صفا" أن التحقيق يتوجب أن يشرف عليه جهات محايدة بعيدة عن أطراف القضية، مضيفًا: "في قضية المغدور بنات السلطة والحكومة طرفًا وبالتالي لن تكون النتائج محايدة ولا يؤتمن تطبيق توصياتها".
ويشير إلى عدم قبول الهيئة المستقلة لحقوق الانسان لأن تكون جزءًا من هذه اللجنة الخاصة بالتحقيق بملابسات قتل بنات، لافتًا أنها عملت لوحدها نتيجة عدم الثقة بالشراكة مع الحكومة، كون ذلك بات يحرج هذه المؤسسات الحقوقية نظرًا للنتائج المخيبة.
ويعتقد كراجة بأن المواطنين باتوا يشعرون أن مؤسسات المجتمع المدني باتت غير قادرة، "وربما عاجزة عن صد تغول السلطة التنفيذية وعناصرها ورموزها من اعتقال سياسي وقمع للنشطاء ومرشحي الانتخابات من خارج إطار الفصيل المكون للسلطة، وبالنظر لمستخلصات لجان التحقيق وعدم محاكمة أي من المتورطين بجرائم قتل وفساد ثبت تورطهم".
