web site counter

نفق بلعمة الأثري في جنين يشكو الإهمال وقلة الزوار

لازال نفق بلعمة عند المدخل الجنوبي لمدينة جنين المحتلة –والذي يعتقد أنه الاكتشاف الأثري الأقدم في فلسطين- ينتظر سبْر أغواره واكتشاف مكنوناته، وبذل الجهد الكافي ووجود التمويل اللازم للتنقيب عما تبقى منه، ومحاولة الولوج إلى أعماق الخربة التي تحتويه، فربما له جيران قدماء لا ينقصهم غير البحث.
 
وبدأت دائرة الآثار الفلسطينية ما بين عامي 1996-1997 عملية تنقيب آثار واسعة لاكتشاف النفق المائي في خربة بلعمة، وذلك بمشاركة طاقم علمي فلسطيني، ومثلت تنقيبات النفق أكبر عمليات الكشف العلمي لدائرة الآثار الفلسطينية والتي أعيد
 صورة عامة لمدخل النفق (صفا)
تأسيسها عام 1994.
 
ويقول مدير وزارة السياحة في جنين خالد ربايعة: "جاء قرار التنقيب حينها إثر أعمال التوسعة لطريق جنين –نابلس في منطقة وادي بلعمة المحاذية للنفق؛ بما استدعى إجراء تنقيبات إنقاذية عاجلة محدودة عند مدخل النفق عام 1996".
 
ويتابع "ما لبثت أن تحوَّلت هذه الخطوة إلى أعمال تنقيب واسعة النطاق في إطار المشروع الطارئ لتنظيف مائة موقع أثري في فلسطين بدعم من الحكومة الهولندية توج بمشروع مشترك بين دائرة الآثار وجامعة لايدن في هولندا من 1998-2000".
 
وحول طبيعة النفق يقول ربايعة لـ"صفا": "يقع النفق المائي على المنحدر الشرقي لخربة بلعمة التي تحتل موقعاً استراتيجياً يسيطر على المعبر التاريخي المؤدي إلى سهل مرج ابن عامر".
 
ويضيف " تعرف خربة بلعمة بموقع "ابليعام" المذكورة في المصادر التاريخية المصرية والتوراتية، وذكر الموقع باسم "بيلموث" في المصادر الرومانية البيزنطية؛ وقلعة "كالتسليوم بيلايزموم" في المصادر الفرنجية".
 
وتشير بعض القصص الشعبية حول الملك بلعام إلى عمق الذاكرة التاريخية حول المكان، وكان النفق محور اهتمام بعض المستكشفين منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأول وصفٍ للموقع قام به الباحث الفرنسي فكتور غورين سنة 1874.
 
ويمثِّل الموقع مراحل حضارية مختلفة تمتد من بداية العصر البرونزي المبكر حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، حيث يعود الفخّار المكتشف فيه إلى الفترات البرونزية والحديدية والفارسية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والأموية؛ كما أن هناك كتابات فينيقية على كسرة فخارية تعود للقرن السابع قبل الميلاد.
 
لم يكتشف منه سوى القليل
وفي زيارة مراسل صفا للنفق اتضح أنه يتشكل من ثلاثة أجزاء وهي: النفق المقبب؛ والجزء المدرج الصاعد المقطوع في
مصباح يضيئ النفق من الداخل (صفا)
الصخر، ثم الممر الضيق المبنى بالحجارة في نهاية القسم الثاني من النفق الصخري.
 
ويبلغ طول القسم المستكشف من النفق المائي حاليا 115 متراً؛ منها 105 أمتار مقطوعة في الصخر الصلد و57 درجة مقطوعة في الصخر أيضا؛ وهناك ثلاثة مداخل أخرى للنفق المائي في منطقة المنحدر، والنفق مزوَّد بنظام للإضاءة عبارة عن فتحات في الصخر لوضع الأسرجة عليها.
 
وأظهرت التنقيبات الأثرية مكوّنات النظام المائي في القسم السفلي منه والذي يتشكل من خزان ماء كبير وقنوات وحوض مقطوع في الصخر وأحواض لجمع الماء عند المدخل تعود لفترات مختلفة.
 
ويقول مدير الموقع ماجد الدمج: " لقد وفرت تنقيبات النفق معلومات كبيرة حول نظام النفق المائي وتاريخه ووظيفته، وفي الوقت نفسه ما زالت هناك العديد من الأسئلة المفتوحة خصوصا حول امتداد النفق".
 
وأكد على أهمية استكمال البحث والتنقيب في الموقع خصوصا في الجزء غير المستكشف منه والأجزاء المحيطة بالمبنى الواقع خلف المدخل.
 
ويتمنى الدمج أن يتوفر التمويل اللازم من أجل استكمال مشروع التنقيب في بلعمة بحيث يتم سبر غور المعالم الأخرى التابعة له مثل خربة بلعمه؛ "وهذا يحتاج إلى اهتمام في الدرجة الأولى، يعقبه توفير التمويل اللازم؛ فهو أقدم موقع أثري اكتشفته دائرة الآثار الفلسطينية حتى الآن".
 
المطلوب: ترويج سياحي
ولكن اللافت للنظر أن هناك عدم معرفة حتى من قبل سكان جنين بهذه المواقع الأثرية، فمن زار النفق من أهالي جنين محدود
بلعمة من أقدم المواقع الأثرية المكتشفة في فلسطين (صفا)
للغاية ومن يعرف عنه قلة قليلة، وهذا يطرح تساؤلا حول دور الجهات المختلفة في الترويج للسياحة الداخلية والخارجية في محافظة جنين.
 
ويقول المواطن سالم أبو زينة: "لو كان نفق بلعمة موجودا في رام الله أو بيت لحم لكان معلمًا أثريًا بارزًا لا تنقطع عنه زيارات السياح؛ ولكن وجوده في جنين مضافًا إليه ضعف الاهتمام السياحي جعله مهملاً مثل مواقع أخرى في المحافظة مثل كنيسة برقين التي تعد رابع أقدم كنيسة في العالم".
 
ويؤكد الدمج أن عدد الزوار قليل للغاية، وأحيانًا يكون واحد أو اثنين في الشهر؛ بالرغم من أنه من أقدم المواقع الأثرية المكتشفة في فلسطين؛ فالموقع يحتاج إلى التسويق السياحي. 
 
ويقرّ رئيس قسم السياحة في وزارة السياحة والآثار في جنين سليمان النمر بأن جنين لم تأخذ حقها في الترويج السياحي بسبب الظروف التي تعاقبت عليها، فقبل مجيء السلطة الفلسطينية كان الإسرائيليون يعرفون بوجود النفق ولكنه كان مكبا للنفايات.
 
ويضيف "خلال انتفاضة الأقصى تعطل العمل به نظرا للظروف الأمنية القاهرة التي سادت حينها؛ ونحن نعكف اليوم على تحضير خطة للترويج السياحي تقوم على إنشاء الخط السياحي في جنين وبناء متحف عمل بروشور سياحي.
 
ويرى النّمر أن فكرة الخط السياحي تقوم على الربط بين المناطق الأثرية المؤهلة سياحيا في محافظة جنين بحيث يتم التنسيق مع شركات السياحة والجامعات والوزارات على أن يقوم الوفد الزائر بزيارة جميع هذه الأماكن الأثرية في رحلة واحدة وضمن تنسيق مسبق؛ بحيث يزور نفق بلعمه ثم يتوجه إلى كنيسة برقين ثم إلى قصور عبد الهادي في عرابة ثم إلى قلعة صانور وهكذا..
 
لا ثقافة سياحية
ويعدِّد النمر جملةً من المعيقات للتطور السياحي في المحافظة قائلا: "بالرغم من أن العامل الأمني كان معيقا طوال سنوات
يوجد في جنين 460 موقعا أثريا (صفا) 
طويلة -فهو أكبر خطر يهدد الآثار- إلا أننا الآن نمر بحالة استقرار مشجعة للعمل حيث انتهينا منذ فترة قصيرة من إنارة النفق وتأهيله لدخول الزوار، ولكن تبقى هناك عدة عوائق.
 
ويضيف "التنقيب في المواقع الأثرية وتأهيلها يحتاج إلى موازنات كبيرة؛ ويوجد لدينا في جنين 460 موقعا أثريا، ولكن عدد محدود للغاية تم التنقيب فيه وتأهيله؛ كما أن الثقافة السياحية ما زالت ضعيفة وتحتاج إلى برامج توعية؛ إضافة إلى أن الحالة الاقتصادية السيئة للمواطنين لا تساعد".
 
كما يشكِّل وجود عصابات سرقة الآثار مشكلة كبرى، وهنا يشير النمر إلى كثرتها وأنها كانت تعمل دون رادع طوال عقود طويلة، ولكنه يقول إن العامين الأخيرين شهدا حملات ملاحقة واسعة لهذه الشبكات بالتعاون بين مديرية السياحة والآثار وشرطة الآثار في جنين، حيث ضبطت كثير من الشبكات وصودرت مئات القطع الأثرية.
 
وينوِّه النّمر إلى أن القانون الفلسطيني ينص على أن كل بناء يزيد عمره عن مائة عام يعد أثريا ولا يجوز هدمه؛ ولكن لا يوجد تطبيق؛ كما أن الإسرائيليين يشترون كل شي قديم من الآثار وحتى الأحجار القديمة وأشجار الزيتون الرومي، والمواطن في حالة عدم إدراك.

 

/ تعليق عبر الفيس بوك