كشف تحقيق لصحيفة "الإندبندنت" البريطانية تفاصيل جريمة مركّبة ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي إبان توغلها البري في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة قبل أكثر من عامين، حيث أطلق قناصة إسرائيليون النار على شقيقين وقتلوهما أثناء محاولتهما نقل شقيقهم المصاب إلى مستشفى ناصر غربي المدينة.
وذكرت "الإندبندنت" في التحقيق الذي نشرته اليوم الإثنين أنّ الشقيقين "حسام العويني" (27 عامًا) و"سعد العويني" (22 عامًا) استُشهدا في 11 فبراير/ شباط 2024 أثناء محاولتهما إسعاف شقيقهما عبد الله (29 عامًا) الذي كان أصيب بجروح خطرة جراء غارة جوية استهدفت منزل العائلة، حيث أصيب الأشقاء الثلاثة على بعد أمتار من مجمع ناصر الطبي، وتُركوا ينزفون على الأرض لأيام قرب سور المجمع الشرقي، في ظل استمرار إطلاق النار وانتشار القناصة في المنطقة.
وقالت الصحيفة البريطانية إنّ المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أجرى تحقيقًا ميدانيًا في الواقعة استنادًا إلى شهادات مباشرة من الناجين وشهود العيان، وتحليل صور الأقمار الصناعية، ما أتاح للباحثين تحديد موقع الحادثة، وإعادة بناء تسلسل الأحداث على نحو دقيق وشامل، إذ تعرّض الشقيقان لإطلاق نار مباشر أثناء محاولتهما نقل شقيقهم الجريح إلى المستشفى، رغم أنّ المسافة الفاصلة بين منزل العائلة ومجمع ناصر الطبي لا تتجاوز نحو دقيقة سيرًا على الأقدام، وفي منطقة كانت آنذاك تحت مراقبة قناصة إسرائيليين متمركزين على مبانٍ مرتفعة محيطة بالمستشفى.
وفي تفاصيل الحادثة، حمل "حسام" و"سعد" شقيقهما المُصاب "عبد الله" من ذراعيه، فيما تولى شقيقيهما الآخرين "حسن" وهو ممرض في مجمع ناصر، و"أنس"، حمل "عبد الله" من قدميه، وهرعوا به عبر طريق فرعي ضيق إلى المستشفى، لكنّهم تعرّضوا لإطلاق نار مباشر فور دخولهم الشارع الرئيسي المؤدي للجهة الشرقية من المجمع الطبي.
وقال "أنس"، أحد الشقيقين الناجيين، إنّ إطلاق النار بدأ فور وصولهم إلى مسافة نحو 15 مترًا من جدار المستشفى، ما أدى إلى سقوط "حسام" و"سعد" أرضًا وسقوط "عبد الله" أيضًا منهما، وأضاف أنّ إطلاق النار كان سريعًا ومباشرًا، ما اضطره هو و"حسن" إلى التراجع والاحتماء في الشارع الجانبي القريب.
وأشار شهود عيان إلى أنّ الشقيقين المصابين حاولا الزحف بعد سقوطهما، إلا أن إطلاق النار تجدد عليهما، ما أدى إلى استشهادهما.
وقال أحد الجيران إنّ القناصة كانوا ينتشرون على أسطح المباني المرتفعة المحيطة بالمنطقة، ما منع السكان من الاقتراب لإنقاذ المصابين.
وأبرزت "الإندبندنت" إفادة والد الشهداء "إبراهيم العويني" (56 عامًا)، حيث قال إنّه صعد إلى الطابق العلوي من المنزل بعد الغارة الإسرائيلية للاطمئنان على ابنه المصاب، لكنه تعرض بدوره لهجوم من طائرة مسيرة صغيرة كانت تحلق على مسافة قريبة جداً منه، ما أدى إلى إصابته بشظايا في الرأس والظهر وفقدانه الوعي.
أما والدة الأشقاء، "تهاني العويني" (55 عاماً)، فأفادت بأنها شاهدت أحد أبنائها وهو يناديها ويطلب مساعدتها بينما كان ينزف على الأرض قرب المستشفى، لكنها لم تتمكن من الوصول إليه بسبب استمرار إطلاق النار في المنطقة، وتمكنت لاحقاً من الوصول إلى المستشفى بعد سلوك طريق التفافي رغم تعرضها أيضًا لإصابة في قدمها خلال الطريق.
من جهته، قال مدير مجمع ناصر الطبي الدكتور "عاطف الحوت" إنّ الطواقم الطبية لم تتمكن من تقديم أي مساعدة للشبان بسبب انتشار القناصة في محيط المستشفى آنذاك، موضحًا أنّ أي محاولة للخروج من مباني المستشفى كانت ستعرض الطواقم الطبية لخطر القتل.
وبقيت جثامين الأشقاء الثلاثة ملقاة قرب جدار المستشفى لمدة أربعة أيام خلال مدة حصار جيش الاحتلال لمجمع ناصر الطبي، إذ تشير التقارير إلى أن القناصة الإسرائيليين كانوا ينتشرون على أسطح المباني القريبة، بما في ذلك مدارس تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ومبانٍ سكنية مرتفعة.
وبعد اقتحام قوات الاحتلال للمنطقة باستخدام الجرافات العسكرية، فُقدت جثامين الأشقاء، حيث قال المرصد الأورومتوسطي إنّه يتحقق حاليًا من معلومات تشير إلى احتمال انتشال طواقم الدفاع المدني بعض الجثامين من منطقة الواقعة إبان الانسحاب الإسرائيلي من المنطقة.
وأكد التحقيق أن الأشقاء كانوا مدنيين ولم يثبت وجود أي انتماءات سياسية أو عسكرية لهم، مؤكّدًا أنّ استهدافهم أثناء محاولتهم نقل مصاب مدني إلى المستشفى يُظهر نية واضحة لإلحاق الأذى بمدنيين غير منخرطين في القتال، ما قد يرقى إلى جريمة حرب وفق القانون الدولي الإنساني.
كما أشار التحقيق إلى أنّ الحادثة، في سياقها الأوسع المرتبط بحصار مجمع ناصر واستهداف المدنيين في محيطه، قد تشكل دليلًا إضافيًا على أنماط الإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" في قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتواصلت صحيفة الإندبندنت مع جيش الاحتلال ووجّهت إليه عدة أسئلة بشأن استشهاد الأشقاء والتحقيق الذي أجراه المرصد الأورومتوسطي، حيث زودوه بالإحداثيات الجغرافية للغارة الجوية التي استهدفت منزل العائلة، إضافة إلى تقرير الأورومتوسطي المكون من 25 صفحة، والذي تضمّن صورًا للأقمار الصناعية وشهادات شهود عيان.
من جهتها، قالت قوات الاحتلال في ردها على استفسارات "الإندبندنت" بشأن الحادثة، إنها لا تملك معلومات عن الواقعة، مشيرة إلى أنها تحتاج إلى تفاصيل إضافية للتحقق منها، دون أن توضح طبيعة هذه المعلومات المطلوبة. كما لم تؤكد ما إذا كانت تحتفظ بسجلات تفصيلية لجميع العمليات التي نفذتها في المنطقة خلال تلك المدة.
وبعد أكثر من عامين على الحادثة، ما زال والدا الأشقاء الثلاثة يبحثان عن إجابات حول الأسباب التي أدت إلى استشهاد أبنائهما خلال رحلة لم تستغرق أكثر من دقيقة بين منزلهم والمستشفى القريب.
