web site counter

خربة طانا..خطّ متقدم لمواجهة سياسات الاحتلال في الأغوار

ما أجمل أن تختلط حياة الحضارة بحياة البداوة ممزوجة بإرادة الحياة والتحدي لمواطنين بسطاء كل همهم أن يعيشوا بأمن وسلام؛ ولكن قدرهم جعلهم يكتوون بظلم الاحتلال وجبروته.

 

وتتعدد حكايات المعاناة والثبات التي تمثل هذا النمط من الحياة في الأغوار؛ ومنها ما ترويه خربة طانا الواقعة بين الجبال الوعرة إلى الشرق من قرية بيت فريك قرب الحدود مع الأردن.

 

دخلنا إلى خربة طانا؛ تلك القرية الوادعة التي يعمل سكانها في رعي الغنم حتى جذبنا ذلك الطفل القابع في كهف على سفح جبل، يقلب ناظريه بين كتبه ودفاتره تارة، ويحيلها على قطيع أغنام والده في قاع الوادي تارة أخرى؛ ولا ينسى في تلك اللحظات أن يدقِّق في سفح الجبل المقابل ليتفادى غدر المستوطنين الذين يتربصون بهم على الدوام.

 

تحدق في عيون علي نصاصرة (14عاما) فتجدها مليئة بالعزم والإرادة ويتمتم  قائلا: "هذه الكهوف دافئة خلال الشتاء، وهي مجهزة بالأَسِرّة والفرش والإضاءة ومعدات المطبخ؛ وأنا أقيم فيها أوقات العطل المدرسية وفي نهاية الأسبوع، وفي أوقات الدوام أسكن في بيت فوريك.

 

تهديد المستوطنين

ويضيف في حديث لـ"صفا"  "يهددنا المستوطنون الذين يقبعون خلف تلك التلة باستمرار ويطلبون منا الرحيل، وجاءوا إليّ عدة مرات وطلبوا مني المغادرة، وهم يمنعوننا من بناء منازل ويجن جنونهم حين نستخدم عيون الماء في هذا الوادي".

 

ويشير نصاصرة إلى أنه وعائلته كما معظم عائلات طانا يسكنون الكهوف لأن سلطات الاحتلال هدمت منازلهم عام 2004، وسلَّمتهم أوامر إخلاء جديدة مطلع العام الماضي.

 

ويؤكّد أنه لا يخاف المستوطنين ولا يفكر وعائلته أن يغادروا المنطقة قائلا: "لدى والدي مائة رأس غنم نعيش منها؛ وهذه أرضنا ونحن نمتلك أوراق طابو ولن نغادر".

 

ويرمق ببصره إلى خلف التلة ويقول: "هناك تقع مستوطنتي ميخوار والحمرا، وهم يطمعون في السيطرة على عيون المياه في طانا؛ والأسوء من ذلك أن المنطقة تشكل منطقة تدريب عسكرية مفضلة لقوات الاحتلال كما الكثير من المواقع في الأغوار".

 

يلاحقونا بالطائرات

ويقول المواطن أحمد نصاصرة أحد سكان طانا: "هناك مخطط إسرائيلي لتهجير سكان هذه المنطقة التي يتناقص عدد سكانها باستمرار؛ ويقوم جنود الاحتلال بين الفينة والأخرى بملاحقة الرعاة في الجبال بالطائرات العمودية ويعتقلونهم مع أغنامهم بالطائرات إلى معسكر مجاور".

 

ويضيف " يدفع بعد ذلك كل راعي سبعة دنانير لجيش الاحتلال مقابل كل رأس غنم تم اعتقاله من أجل استرجاعه وذلك مقابل تكاليف نقله بالطائرة، ونبقى نعيش على هذا المنوال".

 

ويرى نصاصرة أن من يشاهد الطائرات وهي تلاحق الرعاة في الجبال يتوقع أن هجوما وقع وأن حربا عسكرية تدور في المنطقة!!

 

ويروي المواطن الفلسطيني قصصًا كثيرة عن اعتداءات جيش الاحتلال على سكان طانا؛ ومنها: ما تعرض له مؤخرا الحاج فائق حنني حين قتل المستوطنون 13 رأس غنم من قطيعه وقاموا بكسر يده.

 

ويضيف: "حين يستفرد المستوطنون براعٍ يُنَكّلون به، وهذا ما دفع الرعاة إلى التجمع كل 2-3 مع بعضهم والرعي معا لحماية أنفسهم.

 

ويشير نصاصرة إلى أن سلطات الاحتلال أقدمت على هدم جميع منازل القرية عام 2004، ولكن الأهالي أعادوا بناءها من جديد، وفي شهر كانون ثاني من العام الماضي سلمت سلطات الاحتلال إخطارات هدم جديدة للمواطنين بدعوى
أنها منطقة عسكرية؛ "حيث توجهنا للمحكمة التي أقرت قرارات الهدم، ورفعنا استئناف لم يبت فيه حتى هذه اللحظة".

 

ويلفت إلى أن صمود الرعاة في طانا الذين يبلغ عددهم هذه الأيام 35 عائلة يملكون نحو 17 ألف رأس غنم هو اضطراري ؛ لأن تراجعهم معناه أن تهلك أغنامهم لعدم وجود مراعٍ بديلة.

 

لا خدمات

وحول مستوى اهتمام السلطة الوطنية بهذه المواقع التي تشكل خطّ مواجهة متقدم مع المستوطنين وجيش الاحتلال في الأغوار قالت عضو المجلس البلدي في بيت فوريك والعاملة في محافظة نابلس مفيدة حنني: "المشكلة أن هذه المنطقة تصنف على أنها عسكرية من قبل جيش الاحتلال، وتمنع السلطة من تقديم الخدمات فيها".

 

وتضيف: "كل فترة يقيم جنود الاحتلال معسكرات تدريب متنقلة ويقيمون فيها، وبالتالي يقع على رأس أولوياتهم تطهيرها من السكان".

 

وأشارت إلى أنه "رغم ذلك نحاول أن نقدم ما نستطيع، حيث زودنا قبل شهر أصحاب المنازل التي هدمت في عام 2004 في هذه المنطقة بالخيام، وهي مقدمة من الرئيس محمود عباس، كما أننا وفرنا مدرسة من صفين لطلبة الأول والثاني والثالث هدم الاحتلال أسوارها، وينتدب فيها معلمين اثنين في الأوقات التي يتجمع فيها السكان في طانا في فصلي الشتاء والربيع".

 

وتشير حنني إلى أن عيني الماء في طانا (العين الفوقا والعين التحتا) تحوي مياه معدنية طبيعية؛ حيث أشرفت قبل أشهر على علمية فحص مخبري لهذه المياه تبين فيه أنها مياه معدنية يمكن تعبئتها وبيعها مباشرة دون أية معالجة وهي نقية 100%، وتؤكد سعيها للحصول على تمويل لهذا المشروع مع الأخذ بعين الاعتبار المعيقات التي سيضعها الاحتلال.

 

وترى حنني أن المشكلة الرئيسية تمكن في شقين؛ الأول هو تعبيد الطريق الوعري المؤدي إلى طانا، وتقديم الخدمات، سيما الكهرباء، وهذا ما لا يسمح به الاحتلال، كما أنه مكلف جدا ويحتاج إلى ملايين الدولارات، والثاني هو متابعة قضية الاستئناف على قرارات الهدم في المحكمة العسكرية في القدس، حيث تتابع محافظة نابلس القضية قانونيا.

 

ويقول المواطن أحمد نصاصرة: "لوعورة الطريق نخسر ثلث إنتاجنا من الحليب بسبب التلف، كما أنها تشكّل خطرًا في حالات الطوارئ الصحية، ومنها أن المواطن بهجت نصاصرة كاد أن يلفظ أنفاسه قبل عدة أشهر حين لدغه ثعبان وتأخرنا في نلقه من المنطقة".

 

ويؤكّد نصاصرة عدم وجود اهتمامٍ كافٍ بهذه المنطقة من قبل الجهات الرسمية والمؤسسات الحقوقية التي لا تقوم سوى بعمليات تضامن معنوية لا يعقبها إجراءات عملية.

/ تعليق عبر الفيس بوك