web site counter

أميرة القرم: شاهدة على جريمة لم تنته فصولها بعد

بعد رحلة علاج ممزوجة بالمأساة والألم، عادت الطفلة أميرة القرم ابنة "الخمسة عشر عاماً" من فرنسا إلى مدينة غزة مسقط رأسها وهي تتمتع بصمود وقوة لا تلين رغم ما أصابها من جراح أفقدها أغلى ما تملك في حياتها وجعلتها تتذوق طعم اليتم كغيرها من الأطفال الذين حرموا من أبسط حقوقهم.
 
وتقول القرم العائدة من رحلة علاج استمرت ثلاثة شهور: "رغم مرارة الحصار ومآسي الحرب إلا أنني لم أتخيل أن تكون غزة أجمل من فرنسا، فقد كانت بالنسبة لي دولة عادية رغم أن شعبها طيب ومتعاطف مع الشعب الفلسطيني".
 
أميرة إحدى ضحايا الحرب الإسرائيلية الأخيرة خرجت من غزة في شهر يوليو/ تموز الماضي، وهي مثقلة بالهموم والآلام التي أصابتها خلال الحرب، وكانت تحمل في قلبها العديد من المآسي والأوجاع التي لم تمح من ذاكرتها طوال حياتها، كما عايشت الموت لحظة بلحظة.
 
قالت وعلامات الحزن تبدو على نبرات صوتها: "عقب أن وطأت قدماي أرض فرنسا شعرت بالغربة والحنين إلى بلدي التي لم أرى بالعالم كله مثلها رغم الحصار والمأساة التي عايشتها خلال الحرب وأفقدتني والدي وشقيقي وشقيقتي".
 
وأضاف في حديث لوكالة "صفا": "رحلة العلاج بدأت في مستشفى بمدينة (ليل) الفرنسية بإجراء بعض الفحوصات وصور الأشعة لساقي المصابة، حيث وجد الأطباء أن ساقي تعاني من التهابات حادة، مما دفعهم لإزالة البلاتين من ساقي التي وضعها لي الأطباء حينما كنت في غزة".
 
وكانت أميرة فقدت خلال الحرب والداها وشقيقيها عصمت وعلاء في قصف مدفعي إسرائيلي استهدف منزل الأسرة في منطقة تل الهوا غرب غزة، فيما أصيبت في ساقها إصابة خطرة ظلت على إثرها تنزف لعدة أيام في منزل هجره أصحابه ولجأت إليه حتى وصل مقدار دمها 5 وحدات فقط.
 
وأوضحت أنها بدأت تشعر بتحسن في ساقها، خاصة بعد العلاج الذي تناولته بما فيه خضوعها للعلاج الطبيعي في فرنسا، قائلة:"أصبحت الآن استخدم العكازات كي تساعدني في المشي على قدمي التي تعاني من كسر داخلي"، متمنية من الله أن يمن عليها بالشفاء العاجل كي تتمكن من السير على قدماه دون أي عوائق أو صعوبات.
 
وأشارت إلى أن فترة علاجها تحتاج إلى سنة كاملة، مع الاستمرار في العلاج الطبيعي بغزة، كي تتمكن من الشفاء الكامل وعدم الحاجة إلى "عكازات" والسير على قدماها.
 
لم أنس جراحي
"خروجي من غزة لم ينسني جراحي وألمي"، بهذه الكلمات عبرت أميرة عن مدى الألم والحسرة التي تعانيها منذ انتهاء الحرب حتى اللحظة، قائلة:"على الرغم من الأماكن الجميلة التي شاهدتها وزرتها في فرنسا، إلا أنني لم أنس ما حل بي من مآسٍ وجراح لم تضمد بعد، فحينما خرجت من غزة كنت أعيش وضعاً صعباً أثقل همومي ومعاناتي".
 
واستدركت: "كلما أردت أن أذهب للتنزه لم أكن أشعر بالسعادة والفرحة لأنني كنت دوماً أتذكر ما حل بي من مآسٍ خاصة بعد فقداني لوالدي الذي كان بالنسبة لي كل حياتي، وشقيقتي عصمت وشقيقي علاء اللذين لم تمح صورتهما من ذاكرتي طوال فترة سفري".
 
وتابعت "زرت العديد من الأماكن الجميلة في فرنسا، وشاركت في كافة المظاهرات والمسيرات التي خرجت للتضامن مع الشعب الفلسطيني الذي يعاني الويلات والمصائب جراء الاحتلال الإسرائيلي".
 
وأوضحت أنها قابلت العشرات من الإعلاميين والساسة والشخصيات الوطنية والمحامين الدولين الذين يدافعون عن الشعب الفلسطيني أمام المحاكم الدولية.
 
وقالت: "ما شجعني على رفع قضية في محكمة لاهاي الدولية ضد قادة الاحتلال هو حجم التضامن والتعاطف الذي شاهدته من قبل الفرنسيين والجاليات العربية والإسلامية، وغيرها بهدف فضح جرائم الاحتلال بحق الطفولة".
 
وبشأن عودتها إلى غزة، ذكرت أميرة "عدت إلى غزة الاثنين الماضي عبر معبر رفح البري مع وفد فرنسي والطبيب الذي كان يشرف على علاجي، لكن واجهتنا بعض الصعوبات التي حالت دون تمكن الوفد من الدخول إلى غزة، حيث منعته السلطات المصرية من الدخول بحجة عدم التنسيق، وبقيت لوحدي أنتظر".
 
وتعيش أميرة اليوم في بيت عمها بعد أن استشهد والدها وشقيقها في الحرب، وبقيت أميرة وأختها هيا ابنة "الحادية عشر عاماً" والتي تعيش في بيت والدتها.
 
فرحة منقوصة
العودة إلى غزة كان لها وضع خاص في نفس أميرة التي قالت: "منذ وطأت أرض الوطن انتابني شعور لا يوصف، لم أصدق نفسي، شعرت بفرحة ممزوجة بنوع من الحزن والألم على ما فقدته خلال الحرب من حنان الأبوة الذي لم يعوضني عنه كل العالم مهما كان، ولكن رغم ذلك إلا أن عودتني لغزة زادتني قوة وإصرار على الحياة".
 
وتحدثت أميرة عن ذكرياتها الأليمة، متمنية آلا يأتي اليوم الذي شاهدت فيه أمام عينيها ما حدث مع والدها وشقيقها من جريمة بشعة لا يتصورها عقل أي إنسان كان، لأنه كان بالنسبة لها يوماً صعباً مخيفاً للغاية.
 
وتأمل في نهاية حديثها أن تعود إلى مدرستها لإكمال تعليمها والالتحاق بالصف الأول الثانوي، متمنية أن تصبح محامية كي تدافع عن قضيتها وتحاكم قادة الاحتلال الذين ارتكبوا جرائم بحق الطفولة خاصة والشعب الفلسطيني عامة.
 
وطالبت الأطفال المتضررين مثلها في الحرب بالدفاع عن حقوقهم كفلسطينيين ورفع قضايا ودعاوى ضد قادة الاحتلال في محكمة لاهاي الدولية لمحاكمتهم وتقديمهم إلى العدالة على ما اقترفوه من جرائم بشعة.
 
قصة أميرة جزء من قصص أكثر من ألف وخمسمائة شهيد وأكثر من خمسة آلاف جريح كانوا ضحية للاحتلال، عائلات قضت وأخرى فقدت معظم أفرادها، لكن الشاهد الضحية باقٍ على وجه الأرض باحثاً عن حقه في العدالة ومعاقبة من أجرموا بحقه.

/ تعليق عبر الفيس بوك