web site counter

العمال الفلسطينيون في "إسرائيل"..معاناة خلف الجدار

عقب وفاة والده وبعد أن أسر الاحتلال شقيقه، اتخذ الشاب الفلسطيني محمد معروف ابن قرية "عتيل" قضاء مدينة "طولكرم" قرارا مصيريًا حاسمًا كان السبب الرئيس في ضياع حاضره ومستقبله وانتهاء أحلامه.

 

ولمّا وجد نفسه وحيداً مع أمٍ حزينةٍ وشقيقةٍ وحيدة قرَّر محمد بدء حياةٍ جديدةٍ بحثًا عن المال والمستقبل معاً، ولكن الطالب الذي كان على وشك إنهاء المرحلة الثانوية ليبدأ مشواره التعليمي صُدم بواقع جديد، واقع يحمل بين طياته ضياع المستقبل وبقاء الحاضر المليء بالمعاناة.

 

ودَّع محمد (18عامًا) أمه وشقيقته وشق طريقه دون الالتفات إلى الخلف ليصطدم بجدار فصل عنصري حال بينه وبين وجهته، فاضطر إلى السفر نحو القدس المحتلة للمرور من حفرة تحت الجدار من شأنها أن تنقله من الضفة الغربية إلى حيث المال والغنى السريع.. إلى "إسرائيل".

 

وتمنع "إسرائيل" العمال الفلسطينيين من العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وذلك منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، بحجة الخوف من عمليات انتقامية قد ينفذها عمال فلسطينيون انتقاما لجرائم الاحتلال الإسرائيلي المتواصلة بحق الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

 

لا مأوى ولا طعام

بحث محمد عن مكان يأوي إليه فلم يجده، فاضطر إلى النوم مع عدد ممن لهم الخبرة في النوم في دولة لا تنام، وخلال استغراقه في نومه العميق في الليلة الأولى لزيارته إلى وطنه بطريقة غير شرعية قفز محمد ومن معه وفروا هاربين حفاة بين أشجار الزيتون والأشواك بعد اقتراب دورية ما يسمى حرس الحدود الإسرائيلي من مكان نومهم.

 

وبعد ملاحقة دامت نصف ساعة استطاع جيش الاحتلال اعتقال محمد وعدد من العمال الفلسطينيين ليتم التحقيق معهم على طريقة المحتل، ضرب وشتم ونوم في البرد القارص دون شراب أو طعام ليس لشيء إلا لأنهم دخلوا إلى بلادهم دون إذن مسبق ممن احتلها.

 

"ظننت أنني سأستطيع جني المال والأرباح لأعيل أمي وشقيقتي وأخي الأسير، ولكن واقع الحال يقول غير ذلك"، يقول محمد لـ"صفا"، ويضيف بلهجة تدل على مأساة صاحبها: "لم أتوقع أن أمكث في "إسرائيل" أربعة سنوات دون أن أدخر قرشًا واحدًا ودون أن ابني بيتي وأكمل تعليمي".

 

محمد أيقن بعد مكوثه في الأراضي المحتلة عام 1948 لعدة سنوات أن مستقبله قد ضاع، وبدأ البحث عمن يساعده لبناء غرفة يتزوج فيها ويصرف على أمه وشقيقته، وقد وضع التعليم والدراسة وراء ظهره، فلم يعد لها أيّ مكان.

 

ويعمل محمد في هذه الأيام في أحد المصانع التابعة لمواطن من فلسطينيي 48 الذي أخذ على عاتقه توفير ظروف المعيشة الملائمة له بعد ثلاثة سنوات قضاها بين أشجار الزيتون دون بيت يؤويه وأم تدفئه بعطفها وحنانها.

 

ويعاني الفلسطينيون من افتقاد فرص العمل الكافية لإعالة أسرهم الكبيرة، وذلك بسبب القيود الإسرائيلية التي تفرض على المعابر، والحرب التي تشنها "إسرائيل" ضد الاقتصاد الوطني الفلسطيني والتدمير الممنهج الذي تحدثه لكافة مقومات البنية التحتية.

 

افتقاد الأهل والخلان

وأضاف يروي قصة ألمه ومعاناته: "كل يوم وفي الصباح الباكر قبل بدء العمل أرفع سماعة الهاتف واتصل على أمي لأطمئنها على وضعي لأنني أعلم أنه إذا لم اتصل بها ستجلس في حسرة طوال اليوم تنتظر أخباري".

 

وتابع "خلال ساعات عملي يكون فكري مشغولا بأمي وشقيقتي وأخي الأسير في سجون الاحتلال والذي لم أره منذ سنوات، فأمي لا تجد من يعيلها غيري بعد وفاة خالي الذي استشهد في سجن مجدو".

 

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتقل أحمد شقيق محمد المعروف قبل سنوات بشبهة الانتماء لحركة الجهاد الإسلامي والتخطيط للقيام بعمليات ضد مصالح إسرائيلية، ولم يعرف حتى الآن ما هو مصيره كما أنه لم يتم النطق بالحكم عليه حتى اللحظة.

 

وختم محمد حديثه بالقول: "الآن أنا لا أدري ما هو مصيري لأنني لا أستطيع ترك العمل في "إسرائيل" رغم كل المشقة والمعاناة التي أتعرض لها، لأن العمل في الضفة الغربية لا يكفي لإعالة شخص واحد".

 

وللمواطن الفلسطيني أ.ع من بلدة قفين القريبة من جدار الفصل العنصري على تخوم منطقة المثلث المحتلة عام 1948 قصة  مشابهة مع العمل في "إسرائيل".

 

يقول أ.ع الذي اجتمعت به في أحد البيوت غير المأهولة بعد يوم شاق من العمل في البناء: "في البداية توقعت أن أجد عملا مناسبا أستطيع من خلاله ادخار المال ومساعدة عائلتي التي تتألف من ثمانية أفراد ولكنني تفاجأت بواقع صعب للغاية".

 

سجن داخل دولة

ويضيف "نحن هنا في سجن كبير، لا نستطيع الحركة داخله حيث إن الجيش الإسرائيلي يراقبنا أينما كنا ويقوم باعتقالنا وإعادتنا إلى الضفة الغربية، وبالإضافة إلى ذلك لم نعد نجد العمل بسهولة في هذه البلاد كالسابق بعد أن ضربتها الأزمة المالية".

 

وأوضح قائلا: "تركت ورائي زوجةً وستة أبناء بحاجة إلى الطعام والإنفاق عليهم، ولا أستطيع زيارتهم غير مرة واحدة كل شهرين فقط وذلك نظرا لبعد الطريق إلى القرية التي يمكنني أن أراها وأنا أقف في هذا المكان".

 

وأشار إلى أنه يقوم برفقة العشرات من العمال أمثاله بالمرور من طرق التفافية ووعرة حتى يصلون إلى القرية مع أنها قريبة من مكان وجودهم حيث لا يحول بينهم وبين بيوتهم غير الجدار الفاصل العنصري.

 

ويقول أ.ع في تصريح لـ"صفا": "السكان هنا طيبون ويحاولون مساعدتنا وإيوائنا وتوفير الطعام واللباس لنا ولكن في هذه الأيام أصبح من المستحيل أن تجد شخصًا يؤويك وذلك إثر الرقابة الشديدة التي يفرضها جيش الاحتلال على هؤلاء المواطنين والمخالفات الكبيرة التي يدفعونها في حال عثر علينا في بيت أحدهم".

 

 

/ تعليق عبر الفيس بوك