أكد الباحث المختص بشؤون الأسرى عبد الناصر فروانة أن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي إنشاء محاكم خاصة بالأطفال الفلسطينيين الذين يجري اعتقالهم شكلي دون تغيير جوهري على طبيعة وإجراءات المحاكم.
وأوضح فروانة في تصريح له وصل "صفا" نسخة عنه السبت أن هذا القرار هو محاولة من قبل الاحتلال لتجميل صورته أمام الرأي العام العالمي، مشيرًا إلى أنه يعني ضمنيًا إقرار الاحتلال بأخطائه في التعامل معهم.
وشدد على أن ذلك يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والإنسانية تجاه أطفال فلسطين الذين تعرضوا للاعتقال والمحاكمات الجائرة على مدار سني الاحتلال، والبحث الجدي في كيفية إنصافهم وتعويضهم بما يتناسب وحجم الضرر النفسي والجسدي والاجتماعي الذي لحق بهم جراء اعتقالهم الغير قانوني، ومحاكماتهم في محاكم لم تراعِ طفولتهم، ووضع حد للانتهاكات المتواصلة لحقوقهم الأساسية.
وأفادت تقارير صحافية إسرائيلية عن اقتراب العمل في المحاكم الخاصة بالأطفال الفلسطينيين الذين يجري اعتقالهم خلافًا لما كان متبعًا في السابق، حيث كان قد أعلن عن إنشاء هذه المحاكم في أغسطس الماضي.
وأضاف فروانة "قرار إنشاء محاكم خاصة بالأطفال هو قرار متأخر جدًا، وكان من المفترض أن تتخذه سلطات الاحتلال منذ بدء احتلالها لفلسطين، يرافقه إجراءات قانونية وقضائية تراعي حقوق الأطفال وتحترم احتياجاتهم الخاصة استنادًا للمواثيق والأعراف الدولية".
وأكد أن الشروع بالعمل اليوم وفقاً لهذا القرار لا معنى ولا قيمة فعلية له، ما لم يرافق تلك المحاكم خطوات ملموسة وإجراءات فعلية تُلازم سير المحاكمة وتحترم حقوق الأطفال منذ لحظة اعتقالهم .
وأوضح أن إقدام الاحتلال على اتخاذ هكذا قرار يعني ضمنيًا إقراره بأخطائه الجسيمة على مدار العقود الماضية في تعامله مع الأطفال الفلسطينيين المعتقلين، ومحاكماتهم أمام محاكم عسكرية عامة وإصدار أحكامًا بحقهم بالسجن الفعلي لسنوات طويلة وصلت في كثير من الأحيان للسجن المؤبد لمرة أو لمرات عديدة.
وأشار فروانة إلى أن المحكمة العسكرية الخاصة بالأطفال والتي أعلن عن إنشائها لم تغير تعريف القاصر الفلسطيني، حيث أنه وحسب القضاء العسكري الإسرائيلي فإن السن الأدنى لتقديم الأطفال لمحاكمتهم في محاكم عسكرية هو (12 عامًا) بعدما خُفض في أغسطس 1999، فيما كان قبل هذا التاريخ (14 عامًا).
وبين أن كثير من الأطفال الفلسطينيين حوكموا بهذا السن وصدر بحقهم أحكاماً عالية، فيما لا تزال سلطات الاحتلال تعتبر أن الفلسطيني الراشد هو من أتم 16 سنة من العمر، وأن اعتقال الأطفال هو الملاذ الأول ولأطول فترة ممكنة، بخلاف القانون الدولي الذي يعتبر أن الإنسان راشداً ابتداء من سن 18 عاماً، وأن اعتقال الطفل يعتبر الملاذ الأخير ولأقصر فترة ممكنة.
وأضاف "المحكمة المذكورة لا تختلف في جوهرها ومضمونها وطبيعتها عن المحاكم العسكرية القائمة والتي كان يحاكم فيها الأطفال بجانب البالغين أمام القضاء العسكري، ما لم يُعلن عن اتخاذ إجراءات قانونية وقضائية تترجم فعلياً وتحترم حقوق الأطفال وتراعي احتياجاتهم الأساسية وفقاً للاتفاقيات والمواثيق الدولية".
وأكد فروانة بأن الأطفال الفلسطينيين ليسوا بحاجة إلى إنشاء محاكم شكلية بل تغييرات جوهرية في التعامل معهم على أساس الاتفاقيات والمواثيق الدولية لاسيما "إعلان حقوق الطفل" و"اتفاقية حقوق الطفل"، وأن تتوقف سلطات الاحتلال عن ارتكاب جرائمها بحقهم.
يذكر أن المجتمع الدولي وضع مجموعة بالغة التنوُّع من المعايير لضمان المحاكمة العادلة بهدف حماية حقوق الأشخاص منذ لحظة القبض عليهم، وأثناء احتجازهم، وعند محاكمتهم، وحتى آخر مراحل الاستئناف، واعتبر أن انتهاك تلك المعايير تمثل انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان .
ومن تلك المعايير عدم التعرض للاعتقال التعسفي، والحق في عدم التعرض للتعذيب، وعدم الاستشهاد بالأقوال المنتزعة تحت وطأة التعذيب، والحق في الالتقاء بالمحامي بحرية، والحق في أوضاع احتجاز إنسانية، واستقلال السلطة القضائية.
وكشف فروانة أن سلطات الاحتلال اعتقلت منذ العام 1967 ولغاية اليوم عشرات آلاف الأطفال، منهم قرابة 7800 طفل اعتقلتهم منذ بدء انتفاضة الأقصى الثانية، و لا تزال تحتجز منهم في سجونها ومعتقلاتها 326 طفلاً.
وأشار إلى المئات من هؤلاء الأطفال تجاوزا سن الطفولة وهم داخل السجن، وهؤلاء حوكموا في محاكم عسكرية أسوة بالكبار وصدر بحقهم أحكاماً قاسية دون مراعاة لأعمارهم، موضحًا أن العديد من الأسرى ممن اعتقلوا وهم أطفال قد أمضوا عقود من أعمارهم في سجون الاحتلال تفوق السنوات التي أمضوها خارج السجن قبل اعتقالهم.
