لم تكن الليلة الماضية، سوى ساعات قاسية لجلد إنسان أنهكته الحرب، ليعود الشتاء، ويُعرّي خيمته، ويفتح أبواب الوجع على مصراعيها.
وباتت آلاف العائلات ليلة برد شديد، بخيام وأغطية مبتلة، ومقتنيات غرقت في المنخفض الذي ضرب قطاع غزة فجر السبت، لتجد هذه العائلات، نفسها في ليلة وضحاها تسبح في برك الطين وتصارع أمواج المطر داخل خيامٍ تهالكت قبل أن تبدأ معركة الشتاء الحقيقية.
فمنذ ليلة أمس، تحولت مخيمات النزوح في جباليا وبيت لاهيا والنصيرات ودير البلح ومدينة غزة إلى مساحات منكوبة، حيث تسببت الرياح العاصفة والأمطار الغزيرة بغرق وتطاير آلاف الخيام، وعجز آلاف النازحين عن حماية أطفالهم الذين أخذوا يرتجفون برداً وقهراً على أرضٍ مبللة.
مبللون مرتجفون
وسط هذه الليلة القاسية، يعكس محمد المصري الذي غرقت خيمته أمس، حجم الكارثة التي داهمتهم بلا مقدمات.
يقول لوكالة "صفا"، "نمنا مبللون، المياه غمرت خيمتي مع ساعات الفجر الأولى لتتلف أغطية الأطفال ومراتبهم".
وقضى المصري وعائلته ليلتهم في العراء البارد، يرقبون سقف الخيمة وهو يوشك على الانهيار بفعل الرياح.
تساءل "عن ذنب أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم نبتوا في هذه الأرض المنكوبة، يناموا ويصحوا دون غطاء".
وتشاطره الوجع وفاء البريم "45 عاما"، التي استيقظت وصغارها، لتروي تفاصيل ساعات المرارة التي عاشتها في منطقة العطار بين وحل المطر وخوف الصغار.
تقول لوكالة "صفا"، "كل شيء غرقان، المياه تسللت إلى داخل الخيمة، وخربت أبسط الأشياء، الفراش الطحين المطبخ".
تضيف "أن الأمهات في غزة عدن يعجزن تماماً عن توفير الدفء أو حتى بقعة جافة تجلس عليها عائلات بأكملها هربت من جحيم القوارع لتغرق في طين المطر".
وفي ذات السياق، يقول عماد محسن النازح من شمالي القطاع، "إن المنخفض لم يكن مجرد مطر، بل كان صدمة مدمرة اقتلعت الخيام وحولتها إلى بركة مياه واسعة".
يصف الليلة "بتنا واقفين أو جالسين، لا ندري إن كنا نمنا أو لا من غرق الأمس، وعاد المطر في الليل".
تتابع زوجته "باتوا ليلتهم يتناوبون على إخلاء المياه بأيديهم، وحماية ما يمكن حمايته من الطحين وملابسنا في الخيمة".
أما رامي أبو هجرس، فيؤكد أن ليلة البارحة أعادت للأذهان قسوة أيام الحرب الأولى ولكن بصيغة أخرى.
يقول لوكالة "صفا"، "تذكرنا بأول ليلة شتاء بخيمة في رفح، برد وغرق، ولا نوم".
وحالت المساحات الضيقة بين الخيام في مناطق النزوح، من قدرة النازحين الليلة الماضية، على تصريف مياه سيول الأمطار، دون وصول أي مساعدة من أي جهة، ليُتركوا وحدهم، يواجهون قدرهم بمفردهم.
وتصف رقية الشاعر هول اللحظات الأولى لاجتياح المياه لخيام النازحين، لافتةً إلى أن العائلات وجدت نفسها تفترش الأرض المبللة بلا مأوى يقيهم الصقيع.
توضح أن ما يؤلمها "شكوى الأطفال المرتجفين، كونها كانت وحدها سيدة المكان في ظل غياب تام لأي وسيلة تدفئة أو شوادر صالحة تحجب المطر الغزير".
النوم خارج الخيمة
النازح خليل حمودة، الذي داهمت المياه خيمته المرقعة، بمنتصف الليل، اضطرّ لإخراج أطفاله الحفاة إلى العراء تحت المطر الغزير.
يقول لوكالة "صفا"، "سقف الخيمة مع المطر هبط، وخرجنا لمكان آخر ننام فيه".
بينما يروي زياد صالحة كيف أمضى ليلته ممسكاً بأعمدة الخيمة المتهالكة لمنعها من الطيران بفعل الرياح الشديدة، عاجزاً عن فعل أي شيء لإنقاذ أغطية أطفاله التي غرق تماماً في برك الوحل.
ويؤكد من تجرعوا مرارة الغرق المبكر، أن الكارثة تتكرر بذات التفاصيل القاسية، ودون أي تغير يذكر في البنية التحتية أو جاهزية الخيام.
ويؤكد هؤلاء الغرقى أن محاولات ترميم الخيام بأكياس النايلون والكرتون باتت عبثية أمام غزارة الأمطار التي لا تترك خلفها سوى الدمار والخراب.
وفي ظل هذه الكارثة، يؤكد المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل، أن هذا المنخفض يمثل نذير خطر لموسم شتاء قاسي، مطالباً دول العالم والجهات الضامنة بالضغط العاجل لإدخال آليات الإنقاذ ومعدات الشتاء والخيام والوقود اللازم لتمكين طواقم الدفاع المدني من أداء مهامها الإنسانية.
ومن أصل 2166 نداء استغاثة في قطاع غزة، استجاب المنقذون أمس لـ218 فقط.
