بعد أشهر على تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، لا يزال السؤال الأكثر حضورًا: #وين_اللجنة؟، فرغم الإعلان عنها باعتبارها الجهة المكلفة بإدارة المرحلة المقبلة، لم تنتقل اللجنة إلى غزة، ولم تبدأ تنفيذ أي من المهام الموكلة إليها، فيما بقيت خططها واجتماعاتها خارج القطاع دون نتائج ملموسة على الأرض.
ومع استمرار الأزمة الإنسانية وتفاقم احتياجات أهالي غزة، تتسع الفجوة بين الوعود التي رافقت تشكيل اللجنة والواقع الذي يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني.
فبينما ينتظر الغزيون إدارة تتولى الخدمات والإغاثة وتخفف أعباء الحياة اليومية، لا يزال رئيس اللجنة علي شعث وأعضاؤها في القاهرة منشغلين بالاجتماعات والاتصالات مع المسؤولين الدوليين والبحث عن التمويل.
فاللجنة لم تحصل حتى الآن على الموافقة اللازمة لدخول القطاع وتسلم مهامها من اللجنة الحكومية القائمة هناك، رغم مرور أكثر من 11 شهرًا على إعلان تشكيلها ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
فقد اقتصرت أنشطة اللجنة على اجتماعات داخلية لإعداد خطط العمل، شملت الإغاثة والخدمات العاجلة والإشراف على قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية والمساعدات، مع لقاءات مع وزراء وسفراء ومسؤولين دوليين لعرض خططها والبحث عن تمويل.
ورغم إعلانها تعيين نحو 50 موظفًا ومستشارًا وخبيرًا موجودين بغزة، لم يبدأ هؤلاء تنفيذ مهام فعلية، ولم تُحسم بصورة نهائية التعيينات المتعلقة بنواب أعضاء اللجنة.
اللجنة لم تنتقل من مرحلة التحضير إلى التنفيذ رغم أن وجود موظفين وخطط إدارية لا يعني بالضرورة بدء إدارة القطاع، ما دام الجهاز التنفيذي لا يزال عاجزًا عن مباشرة مهامه ميدانيًا.
تعزو اللجنة تأخر انتقالها إلى عدم نيل موافقة إسرائيلية، في ظل تحكم الاحتلال بالمعابر، وزعم ارتباط دخولها بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة وتوفير ضمانات تمنع استئناف التصعيد العسكري.
لكن العقبات لا تقتصر على الموافقة الإسرائيلية؛ إذ أن عدم توفر التمويل اللازم لتنفيذ برنامج الإغاثة سببًا ثانيًا، وأن المساعدات التي أُبلغت اللجنة بوصولها للصندوق الخاص بـ«مجلس السلام» لا تكفي لتغطية احتياجات خطتها.
كما تضع اللجنة تشكيل قوة شرطية تابعة لها ضمن متطلبات تسلم المسؤوليات، بما يشمل تدريب أفرادها خارج القطاع وإعادتهم للعمل فيه. وهي ترتيبات لا تزال معلقة، مثلها مثل بقية الملفات التي تحول دون بدء عمل اللجنة.
ولم يقتصر الاعتراض على غياب اللجنة على الشارع الفلسطيني؛ إذ أكد عضو المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج عبد الجبار سعيد ترحيب الحركة بدخول اللجنة واستعدادها لتسليمها الملفات الحكومية، بما فيها الأمن والشرطة، محملاً الاحتلال مسؤولية عرقلة وصولها.
كما وجهت القوى الوطنية والإسلامية رسالة إلى اللجنة طالبتها فيها بالدخول إلى القطاع ومباشرة مهامها.
وفي قراءة لأداء اللجنة، نشر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية في 26 سبتمبر/أيلول 2026 دراسة بعنوان «الإدارة من بعيد: البنية المالية وحوكمة اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، أعدها الباحث خالد أبو عامر، انتقدت استمرار عمل اللجنة من القاهرة وغياب حضورها الميداني.
وتناولت الدراسة غياب مشاريع إغاثية وتنموية موثقة تنفذها اللجنة مباشرة داخل القطاع، وضعف الإفصاح المالي وغياب آليات الرقابة وربط الإنفاق بالنتائج الميدانية، مطالبة بنشر تقارير مالية دورية وتحديد جدول زمني للانتقال إلى غزة.
كما أثار الحديث عن تعهدات دولية بمليارات الدولارات، دون انعكاس على برامج الإغاثة وإعادة الإعمار، أسئلة بشأن مصير التمويل وآليات إدارته والجهات المسؤولة عن مراقبته.
ويأتي تعثر اللجنة في وقت لا تزال فيه غزة تواجه دمارًا واسعًا وأزمة نزوح ونقصًا في الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، بالتزامن مع استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار والسيطرة على مساحات واسعة من القطاع.
كما أن بقاء التسيير الحكومي بغزة للشؤون اليومية مقابل وجود اللجنة الوطنية خارج القطاع يكرس حالة إدارية معلقة مع غياب انتقال واضح للمسؤوليات والصلاحيات.
ورغم أن "إسرائيل" تتحمل مسؤولية رئيسية عن عرقلة وصول اللجنة، فإن ذلك لا يعفي "مجلس السلام" والجهات المشرفة عليها من توضيح أسباب التأخير، ومصير التمويل، والجدول الزمني للانتقال وطبيعة الصلاحيات التي ستتسلمها.
فبعد أشهر طويلة من تشكيل اللجنة، لم يعد كافيًا الحديث عن خطط جاهزة واجتماعات مع مسؤولين دوليين، فيما لا يزال أهالي غزة ينتظرون إجراءات فعلية تمس حياتهم اليومية، ولا يعرفون متى تبدأ الجهة التي أُنشئت لإدارة شؤونهم ممارسة مسؤولياتها.
#وين_اللجنة؟.. سؤال يتجاوز موعد وصول علي شعث وأعضاء لجنته إلى غزة، ليطرح سؤالاً أكبر عن جدوى إدارة انتقالية لم تتمكن من الانتقال إلى المكان الذي شُكلت لإدارته، وعن الجهة التي تتحمل مسؤولية استمرار هذا التعطيل؟.
