بات المرور عبر سهل "مرج سيع"، الواقع بين قريتي المغير وخربة أبو فلاح شمال شرق رام الله، الذي اعتاد الأهالي استخدامه للوصول إلى منازلهم وأراضيهم الزراعية، مسرحاً لاعتداءات المستوطنين.
وفي هذا الطريق الفلسطيني، يتعرض سائقو المركبات للرشق بالحجارة والملاحقة والاعتداء الجسدي، في وقت تتقدم فيه البؤر الاستيطانية وتُشق طرق جديدة على حساب أراضي المنطقة.
ويشهد الطريق يوميًا، وليس أخيرًا اليوم، هجمات من المستوطنين على المركبات الفلسطينية، ويصاب فيها عدد من المواطنين.
ولم تعد خطورة مرج سيع مرتبطة بحادثة عابرة، بل بمسار متواصل جعل المرور في هذا المقطع محفوفا بالمخاطر، خصوصاً أن الطريق يمثل المدخل الغربي الوحيد المتبقي لقرية المغير، بعد إغلاق مدخلها الشرقي منذ ما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ويقع سهل مرج سيع بين المغير وخربة أبو فلاح، ويمتد في محيط جبل سيع والأراضي الزراعية التابعة للتجمعين.
وتكمن أهميته في كونه ممراً محلياً يربط القريتين، ويتيح للأهالي الوصول إلى المزارع والمساكن والأراضي الواقعة بينهما، فضلا عن كونه منفذاً أساسياً لحركة الدخول والخروج من الجهة الغربية للمغير.
وتضاعفت أهمية هذا الطريق بعد إغلاق قوات الاحتلال المدخل الشرقي للقرية، ما جعل الحركة اليومية للأهالي أكثر ارتباطا بهذا الممر، وأعطى الاعتداءات الواقعة عليه تأثيراً مباشراً في حياة السكان.
ولم تبدأ الاعتداءات على مرج سيع مع الهجمات الأخيرة، ففي آب/أغسطس 2024، أغلق مستوطنون الطريق الواصل بين المغير وأبو فلاح بسواتر ترابية، بحماية قوات الاحتلال، في خطوة عطلت حركة المواطنين بين القريتين.
ومع تصاعد الاعتداءات، تحولت المنطقة إلى ساحة لملاحقة المزارعين والرعاة ومستخدمي الطريق. ففي السابع من كانون الثاني/يناير 2026، أصيب مواطنان في هجوم للمستوطنين، بعدما دهس مستوطن شاباً من المغير، فيما طعن آخر رجلاً مسناً من أبو فلاح في رأسه ويده.
وفي الأول من آب/أغسطس الماضي، أصيب ثلاثة شبان جراء اعتداء مستوطنين عليهم بالضرب ورش غاز الفلفل، بعدما صدمت مركبتهم بمركبة رباعية الدفع، فيما تحدث رئيس مجلس قروي المغير أمين أبو عليا عن اعتداءات شبه يومية تستهدف المارة على الطريق.
ولم تقتصر الممارسات على اعتداءات المستوطنين، ففي 26 تموز/يوليو، نصبت قوات الاحتلال حاجزاً عسكرياً مستمرًا، في سهل مرج سيع، ومنعت المركبات من المرور، واعتقلت مواطنين وأغلقت المنطقة مرارًا، وسط تحطيم المركبات وتقييد حركة الأهالي.
من الاعتداء لشق طرق استيطانية
وبالتوازي مع استهداف المارة والمزارعين، شهدت المنطقة خطوات ميدانية لتوسيع الوجود الاستيطاني وربط البؤر بعضها ببعض، بما يغير طبيعة السيطرة على الأرض واستخدامها.
ففي عام 2024، أقيمت بؤرة رعوية تُعرف باسم “أور نحمان” في منطقة مرج سيع، وفق توثيق منظمة "بتسيلم"، وأصبحت الأراضي الزراعية المحيطة بها عرضة لاعتداءات متكررة.
وتقول المنظمة إن مستوطنين استهدفوا المزارع والأشجار والمنشآت الزراعية، وأحرقوا معدات ومنشآت، واعتدوا على الرعاة والمركبات.
وفي 13 آذار/مارس 2026، شق مستوطنون طريقاً استيطانياً انطلاقاً من منطقة تجمع أبو ناجح المهجرة في الخلايل جنوب المغير، وصولا إلى عزبة لافي شلبي، وامتدادا إلى سهل مرج سيع.
ثم في الثامن من أيار/مايو، جرفت آليات تابعة للمستوطنين أراضي فلسطينية في جبل سيع، وشقت طريقاً استيطانياً جديداً بين المغير وأبو فلاح.
ويؤكد المختص بشؤون الاستيطان صلاح الخواجا، أن استغلال المنطقة عبر الاعتداءات، لشق طريق، يهدف لربط عدد من البؤر الاستيطانية في المنطقة ببعضها، وتسهيل حركة المستوطنين بينها.
وهنا تتجاوز المسألة الاعتداء على مركبة أو إغلاق طريق لساعات، إذ يجري العمل على تغيير شبكة الحركة في المنطقة، من خلال فتح مسارات تخدم التوسع الاستيطاني، في مقابل تضييق حركة الفلسطينيين.
ويبين الخواجا لوكالة "صفا"، أن شق الطرق الاستيطانية لا يمكن فصله عن منظومة السيطرة على الأرض وتوسيع المستوطنات والبؤر، فهي لا تؤدي وظيفة التنقل فقط.
ويكمل "هي تتيح ربط التجمعات الاستيطانية وتوسيع نطاق تحركها، بالتزامن مع عزل القرى الفلسطينية وتقييد حركة سكانها".
ويرى أن شق الطرق الاستيطانية هو جزء من منظومة أمنية متكاملة، تشمل الجدار والحواجز والبوابات العسكرية والبؤر الاستيطانية، وتستهدف تثبيت المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية.
الخواجا يشير أيضاً إلى أن سلطات الاحتلال تستخدم قرارات المصادرة بذريعة "الصالح العام"، لتمرير مشاريع الطرق الرابطة بين المستوطنات، بما يحرم الفلسطينيين من الاعتراض الفعلي على مصادرة أراضيهم.
ويبين أن الاحتلال يهدف من ذلك إلى ، تسهيل تنفيذ المشاريع التي تخدم حركة المستوطنين، بينما تقطع أوصال التجمعات الفلسطينية.
ربطها بالعمق وانهاء الوجود
وبحسب الخواجا، فإن شبكة الطرق الاستيطانية لا تقتصر على ربط المستوطنات ببعضها، بل تسهم في ربطها بالعمق الإسرائيلي، وتحويل القرى الفلسطينية إلى معازل، من خلال فرض مسارات وحواجز وقيود مختلفة على حركة السكان.
وينطبق هذا الإطار التفسيري على ما تشهده منطقة مرج سيع، فشق طريق استيطاني في جبل سيع، وإقامة البؤر في محيطه، بالتزامن مع الاعتداء على الطريق الفلسطيني وإغلاقه، يرسمان مشهداً تتداخل فيه السيطرة على الأرض مع التحكم في الحركة والوصول.
وتوثق منظمة "بتسيلم" اعتداءات متكررة على مزرعة فلسطينية في المنطقة، شملت تخريب كاميرات المراقبة وأنابيب المياه وإحراق منشآت زراعية وأثاث، ما اضطر أصحابها إلى التوقف عن المبيت فيها والاكتفاء بمراقبتها عبر الكاميرات.
ونقلت عن أحد أصحاب المزارع، بأن الاعتداءات بدأت تتصاعد بعد إقامة بؤرة رعوية في محيط المنطقة، وشملت مهاجمة الرعاة وقطع أشجار الزيتون والاعتداء على المركبات والمنشآت.
وتكشف هذه الوقائع أن الضغط على مرج سيع يجري عبر أكثر من مسار، استهداف مستخدمي الطريق، وتقييد حركة المركبات، وملاحقة المزارعين والرعاة، وإقامة البؤر وشق الطرق الاستيطانية.
وبينما يحتاج سكان المغير وأبو فلاح إلى هذا الممر في تنقلهم اليومي والوصول إلى أراضيهم، تتسع حوله شبكة من الإجراءات والوقائع التي تستهدف وجودهم، في مقابل توفير مسارات جديدة للاستيطان.
