من تحت ركام مجزرة حي الصبرة التي ابتلعت أكثر من 300 شهيد في أكتوبر 2023، في كومة لحم واحدة، انتُشلت رضيعة لم تتجاوز أسبوعين من عمرها.
وُجدت وحيدة ومعلقة فوق شجرة، بلا اسم ولا هوية ولا عائلة تسأل عنها بعد أن ضجت أروقة مستشفى الشفاء بنداءات بلا جواب.
هناك، وسط هوان الحرب وخرابها، تقاطعت الأقدار لتلتقي الطفلة بالممرضة أمل إسماعيل، التي قررت أن تكون لها وأسمتها "ملاك".
ولم تكن تلك الكفالة مجرد ورق، بل كانت نبضاً جديداً وصفته أمل باستشعارها العميق قائلة: "إن ذكرى كفالتها لملاك ارتبطت بيوم انتهاء الحرب، لتصبح الطفلة ملاكها الآمن وصاحبتها وعيلتها كلها التي هونت عليها مرارة الأيام".
حين احتضنت أمل تلك الطفلة، استرجعت ما كتبته قبل أن يرزقها الله بها، قائلة: "إن حمل ثقل الدنيا على كتفي لم يكن عبثاً، بل كان إعداداً لقلبي لأعرف كيف أحب وكيف أخاف وكيف يكون حضن هذه الطفلة، هو آخر أمان على هذه الأرض".
لقد أرادتها الممرضة أمل أن تكبر قوية لا تحتاج لمن ينقذها، لأن دفء ذلك الحضن وحده كان كافياً لها.
ملاك تبلغ الثالثة
واليوم، ومع إطلالة عام ملاك الثالث، خطت لها "ماما أمل" رسالة الفخر والبقاء، لتخبرها أن السابع من أكتوبر ليس سوى يوم قوتها وميلادها الحقيقي.
وكتبت على صفحتها عن "ملاك"، وبكل حب "إنها تلك الفتاة التي خرجت وحدها من تحت الركام لتبقي حية بينما راح الجميع".
ولتغرس في روح هذه الطفلة، عزة النفس والكبرياء، دعتها "أن ترفع رأسها وتعلن لكل العالم بكل فخر: أنا بنت السابع من أكتوبر، وأنا التي صنعت من رحم الحرب ميلادها".
وفي غزة المئات من الناجين الوحيدين، لكن لكل منهم اسم وأب وعائلة في شهادة ميلاد، لكن "ملاك"، التي تحولت من المجهول لهذا الاسم، تعيش مع حاضنتها "أمل"، ولا تدري ما سيعيشه قلبها وعقلها، حينما تكبر وترقب قصتها على المواقع.
وارتكبت "إسرائيل" مجازر بشعة منذ بدء حرب الابادة على غزة في السابع من أكتوبر 2023، تسببت بشطب عائلات بأكملها من السجل المدني، فيما اختفت جثامين لا يُعرف مكانها حتى اليوم، مقابل أخرى انتُشلت من الشوارع وبقبور جماعية، رفات، دون أن يتعرف عليها أحد.
