web site counter

أم الخير.. مشنقة استيطانية تلف عنقها والبقاء مشروط بالحصار

الخليل - خاص صفا

لم يعد الخطر في خربة أم الخير، جنوب الخليل، يقتصر على احتمال هدم منزل أو مصادرة أرض، بل امتد لتفاصيل الحياة اليومية، من حظائر الأغنام ومصادر المياه، إلى الطرق والمرافق الأساسية، وصولًا للاعتداء على الصحفيين والمتضامنين الذين يحاولون توثيق ما يجري.

ومساء الأربعاء، تجددت الاعتداءات في الخربة، مع مهاجمة مستوطن مسلح الصحفي والناشط أندريه إيليتش خرزانوفسكي ومرافقين له، في حادثة تخللها الضرب والتهديد بإطلاق النار والاستيلاء على هاتفه، فيما تعرض أحد النشطاء لرذاذ الفلفل، وسُرقت نظارة أحد المرافقين.

وتعيد هذه الحادثة انعكاسًا لواقع، يعيشه أهالي أم الخير منذ سنوات، في ظل توسع البؤر الاستيطانية المحيطة بالتجمع، وتكرار الاعتداءات على السكان وممتلكاتهم، والتهديدات التي تطال مساكنهم ومقومات بقائهم.

ولا تبدو الاعتداءات المتكررة منفصلة عن التطورات التي تشهدها المنطقة؛ إذ تتزامن مع إقامة بؤرة استيطانية جديدة بمحاذاة منازل المواطنين، وفرض قيود على وصول العائلات إلى أراضيها ومراعيها، إلى جانب أوامر الهدم التي تهدد مساكن ومنشآت أساسية في التجمع.

من الاعتداء إلى التهجير

وتقع خربة أم الخير في مسافر يطا جنوب الخليل، حيث تواجه التجمعات الفلسطينية ضغوطًا متصاعدة بفعل الاستيطان والاعتداءات والقيود المفروضة على البناء والحركة والوصول إلى الأراضي.

وفي أم الخير، تتجسد هذه الضغوط في محاصرة مساكن فلسطينية، والاعتداء على الممتلكات، وتقييد حركة السكان، بما يجعل ممارسة الأنشطة اليومية أمرًا بالغ الصعوبة.

وتبرز معاناة عائلة سالم الهذالين مثالًا على ذلك؛ إذ تحدثت تقارير صحفية عن تطويق منزل العائلة وتقييد وصول أفرادها إلى أجزاء من حظيرة الأغنام ومرافق أساسية، وسط مضايقات متكررة تطال النساء والأطفال.

ويقول خالد الهذالين، من سكان الخربة، إن المستوطنين يريدون تهجير العائلة بأي طريقة، مؤكدًا تمسكه بالأرض التي ولد وعاش فيها، وامتلاكه أوراقًا تتعلق بها.

ولا تقتصر التداعيات على الجانب السكني، فالأغنام تمثل مصدر رزق العائلة، وأي تقييد للوصول إليها أو إلى المراعي المحيطة ينعكس مباشرة على قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية.

وتتجاوز هذه الوقائع حدود الخلاف على أرض أو منزل، لتطال قدرة العائلات على مواصلة حياتها في محيطها الطبيعي، في ظل تراجع المساحات المتاحة للحركة والعمل والرعي.

البقاء بات مخاطرة  

ويحذر المختص في شؤون الاستيطان معتز بشارات، من المخاطر التي تواجه العائلات الفلسطينية نتيجة تداخل الإجراءات العسكرية مع اعتداءات المستوطنين.

ويقول لوكالة "صفا"، إن العائلات في مسافر يطا لا تتوقف عنها الأوامر العسكرية التي تحول قراها إلى مناطق تدريب بالنار الحية.

ويضيف أن ذلك "يجعل البقاء مخاطرة يومية بالأرواح، وأن اعتداءات المستوطنين لا تقتصر على مهاجمة السكان، بل تشمل ملاحقة الرعاة والاعتداء عليهم، وتدمير الممتلكات، وحرق المحاصيل الزراعية، وترهيب النساء والأطفال".

ويؤكد أن هذا التصعيد في اعتداءات المستوطنين، محاولة لدفع العائلات إلى مغادرة مناطقها.

وتقدم هذه المعطيات إطارًا لفهم ما يجري في أم الخير، حيث تتداخل الاعتداءات المباشرة مع القيود التي تطال الأراضي ومصادر الرزق والمرافق الأساسية، بما يضاعف الأعباء على السكان ويجعل استمرارهم في أرضهم أكثر صعوبة.

ويحذر المختص من مخاطر أوسع  في مناطق محيطة بأم الخير، الذي تقع فيها اعتداءات متكررة.

 تقطع أوصال التجمع

وتفاقمت المخاوف في أم الخير مع إقامة بؤرة استيطانية جديدة، بمحاذاة منازل الفلسطينيين، في خطوة قال مسؤولون محليون إنها تزيد الضغط على السكان وتحد من وصولهم إلى الأراضي والطرق التي يستخدمونها.

وفي مايو/أيار الماضي، شرع المستوطنون  في إقامة بؤرة جديدة عبر وضع كرفانات وإقامة أسوار وشق طرق، بما أدى إلى تقسيم التجمع إلى قسمين شمالي وجنوبي، وعرقلة طرق يستخدمها السكان والطلبة.

وحذر أهالي الخربة من أن التوسع الاستيطاني لا يقتصر على مصادرة الأراضي، بل يفرض واقعًا جديدًا على حركة المواطنين، ويهدد وصول الأطفال إلى مدارسهم، ويزيد صعوبة تنقل العائلات وتأمين احتياجاتها.

ووثقت تقارير حقوقية قيودًا طالت البنية التحتية، بما في ذلك خطوط المياه والكهرباء، إلى جانب الاعتداء على مساحات مشتركة يستخدمها السكان.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح إقامة البؤر الاستيطانية وتوسيعها عاملًا إضافيًا في زيادة الضغط على التجمع، خصوصًا عندما تتزامن مع اعتداءات متكررة على السكان وممتلكاتهم.

إلى جانب التوسع الاستيطاني، تواجه أم الخير خطر هدم مساكن ومنشآت أساسية، في قضية أثارت تحذيرات حقوقية من تداعياتها على مستقبل التجمع.

وسبق أن حذر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أوامر هدم طالت 11 منزلًا ومنشأة أساسية في أم الخير، بما يهدد بتهجير السكان وتقويض الخدمات التي يعتمدون عليها.

وتشمل المنشآت المهددة مرافق خدمية، بينها روضة أطفال وعيادة صحية ومركز مجتمعي، ما يجعل تداعيات الهدم المحتمل أوسع من خسارة المباني وحدها، لتطال التعليم والرعاية الصحية والحياة الاجتماعية.

ويواجه الفلسطينيون في مناطق من الضفة الغربية صعوبات كبيرة في الحصول على تراخيص البناء التي تطلبها سلطات الاحتلال، في وقت تُستخدم فيه مخالفات البناء ذريعة لإصدار أوامر الهدم بحق منشآتهم.

وبالنسبة إلى أهالي أم الخير، فإن فقدان المنازل أو المرافق الأساسية يعني زيادة هشاشة أوضاعهم المعيشية، في ظل محدودية البدائل وصعوبة الانتقال إلى مناطق أخرى دون خسارة الارتباط بالأرض ومصادر الرزق.

ذاكرة تهجير تتجدد مخاوفها

وترتبط معاناة أم الخير بتاريخ من التهجير؛ إذ ينحدر سكانها من عشيرة عرب الهذالين، التي هُجرت من منطقة عراد عام 1948، قبل أن تستقر في جنوب الضفة الغربية وتشتري أراضيها في محيط يطا.

لكن إقامة المستوطنات بمحاذاة التجمعات الفلسطينية، وما رافقها من مصادرة للأراضي وقيود على البناء والحركة، وضعت الأهالي أمام تحديات جديدة للحفاظ على وجودهم.

وتبرز مخاوف السكان اليوم من أن يؤدي استمرار الاعتداءات والتضييق على مصادر الرزق، بالتزامن مع أوامر الهدم والتوسع الاستيطاني، إلى دفع العائلات نحو الرحيل القسري.

ولا يقتصر ارتباط السكان بالأرض على ملكيتها، بل يشمل نمط حياتهم ومصادر رزقهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وهو ما يجعل مغادرتها خسارة تتجاوز الانتقال من مسكن إلى آخر. 

ويكشف الاعتداء الأخير على خرزانوفسكي ومرافقيه، عن المخاطر التي تواجه الصحفيين والمتضامنين الموجودين في التجمعات الفلسطينية لتوثيق الاعتداءات ومراقبة أوضاع السكان.

فقد تعرض خرزانوفسكي للضرب والتهديد بإطلاق النار والاستيلاء على هاتفه، فيما تعرض أحد مرافقيه لرذاذ الفلفل، وفق التقارير المنشورة عن الحادثة.

وتأتي الواقعة بعد حوادث سابقة طالت الناشط نفسه خلال توثيقه اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، ما يسلط الضوء على المخاطر التي يتعرض لها العاملون في التغطية الميدانية والناشطون الذين يرافقون الفلسطينيين في المناطق المهددة.

وفي الوقت الذي يعتمد فيه الأهالي على توثيق الانتهاكات لإيصال معاناتهم إلى المؤسسات الحقوقية والإعلامية، فإن الاعتداء على من يقومون بهذه المهمة يضيف عائقًا آخر أمام كشف ما يجري في التجمع.

ولا تنفصل هذه الحوادث عن واقع أوسع تشهده مناطق متفرقة من الضفة الغربية، حيث يتعرض مزارعون ومتضامنون وصحفيون لاعتداءات خلال وجودهم في الأراضي الزراعية والتجمعات الفلسطينية.

مواجهة واقع متغير

ورغم تعدد أشكال الضغط، يتمسك أهالي أم الخير بالبقاء في منازلهم وأراضيهم، في مواجهة مخاوف الهدم والتهجير وتراجع القدرة على الوصول إلى مصادر الرزق والخدمات الأساسية.

لكن استمرار هذا الصمود يرتبط بقدرة الأهالي على حماية مساكنهم وممتلكاتهم، وتأمين احتياجاتهم الأساسية، وضمان وصولهم إلى أراضيهم ومراعيهم، في ظل الحاجة إلى إجراءات تحول دون استمرار الاعتداءات.

وفي ظل غياب مقومات الصمود الرسمية، يواصل الأهالي التمسك بأرضهم رغم المخاطر التي تحيط بوجودهم.

 

ر ب

/ تعليق عبر الفيس بوك