لم يعد الحصار مجرد أداة لضغط لقمة العيش، بل إدارة دقيقة للموت البطيء، يمارسها الاحتلال بسياسة "المد والجزر" في التجويع والتسمين الممنهج، مستهدفاً تقويض الجهاز المناعي للغزيين وتفكيك البنية البنيوية لأجيال المستقبل، وفق ما يوثقه استشاري طب الأطفال والمختص في الشأن الصحي أحمد الفرا.
وعلى وقع إغلاق محكم للمعابر وفراغ مخيف تعاني الأسواق بغزة منذ عشرة أيام، من فراغ من المراد الغذائية الضرورية خاصة اللحوم والفواكه والخضار والطحين، جراء منع إدخال الدقيق والمواد الغذائية الأساسية، لتتكشف بهذا، تدريجياً فصول حرب بيولوجية صامتة وممنهجة.
سياسة خبيثة وضحايا
وتستند هذه السياسة الخبيثة، بحسب الطبيب الفرا، إلى ما يعرف طبياً بـ "Thrifty Phenotype" (النمط الظاهري المقتصد).
يقول في حديث خاص لوكالة "صفا"، إنه "خلال أشهر المجاعة القاسية التي ضربت القطاع وبلغت ذروتها بين مارس وأكتوبر من عام 2025، عمد الاحتلال فور سماحه المتقطع بدخول شاحنات الإغاثة إلى ضخ مواد محددة تركزت برمتها على السكريات، الشوكولاتة، الإندومي، الشيبسي، والمشروبات الغازية".
يكمل "هذا الفيضان المفاجئ للسكريات والدهون على أجساد أرهقتها المجاعة أحدث خللاً عضالاً في توزيع الدهون داخل الجسم، وجعلها غير قابلة للاستفادة منها مستقبلاً".
هذا، فضلاً عن تحويل الأطفال والكبار ممن تعرضوا لسوء التغذية إلى قنابل موقوتة عرضة للإصابة بأمراض السكري (النمط الثاني)، الضغط، وأمراض القلب والشرايين، وفق الفرا.
ويضيف "كما امتد الأمر حتى للأطفال الرضع الذين ولدوا لأمهات عانين من سوء التغذية ليواجهوا خطر الأمراض المزمنة وهم في عمر السادسة عشرة والسبعين عشرة".
ولم تقتصر تداعيات هذا العبث الغذائي على اضطرابات الأيض، بل امتدت لتنسف الحصانة المناعية بشكل كامل، مهددة بانفجار أوبئة وأمراض كادت أن تختفي، يجزم الطبيب الفرا.
ويوضح أنه سجلت معدلات الإصابة بالحمى الشوكية والالتهابات الرئوية والنزلات المعوية أرقاماً فلكية تتجاوز أضعاف ما قبل الحرب.
ويوثق الطبيب الفرا هذه الكارثة بضرب المثل بـ "الحمى الشوكية البكتيرية"، المترافقة مع تجرثم الدم، والتي رصد مجمع ناصر الطبي 6 حالات منها في شهر واحد توفي منها 4 وتم إنقاذ اثنتين، في حين كانت هذه الحالات لا تظهر إلا مرة واحدة في السنة أو السنتين قبيل الحرب.
ويشدد على أن هذا الانهيار المناعي، يأتي متكاملاً مع حظر الاحتلال إدخال مقومات الثروة الحيوانية والزراعية الطبيعية واعتماد القطاع الكلي على الاستيراد والمجمدات، التي تفقد صلاحيتها وتتلف جراء الإغلاقات المتكررة وانقطاع الكهرباء.
وترتطم هذه المأساة-وفق الفرا- بضعف قدرة شرائية معدومة وأسعار خيالية بلغت فيها أسعار البصل والمجمدات عشرات الأضعاف عن سعرها الطبيعي.
خطر يهدد الديمومة
وفي تجاه خطير يهدد ديمومة النسل والبناء البشري في القطاع، يبرهن الفرا، أن استمرار سوء التغذية لأكثر من أربعة أسابيع متتالية أحدث تغيرات مزمنة ومدمجة في أجساد أطفال غزة.
وتمثلت هذه التغيرات، حسب الفرا، في ضعف هرمونات النمو والغدة الدرقية والهرمونات الجنسية، وهو ما تسبب في تأخر البلوغ وانتشار قصر القامة الذي يصيب اليوم طفلاً من كل عشرة أطفال.
ويفيد بأن الاحتلال، جعل الأطفال عرضة للتنمر والانعزال والاضطرابات العصبية والنفسية كفرط الحركة، قلة الانتباه، ضعف الأداء الذهني والعقلي، وانعدام القدرة على التواصل وحل المسائل الرياضية وتراجع الذاكرة.
ويحذر الفرا من أن الأجساد الغزية باتت اليوم مجردة من أي مخزون دهني سليم بفعل استمرار سياسة التجويع، ما يعني أن الهزال والضعف البدني القادم سيضربهم بوتيرة أسرع وأقسى بكثير مقارنة بالموجة الأولى من الحرب.
يجزم "هكذا تبقى غزة بأكملها رهينة لمعادلة فناء تبيد المناعة والجسد معاً بقرار من محتل يتقن صناعة الموت المجهري".
