محمد السويركي، وهو أب لستة أطفال يعيش في خيمة بلاستيكية، بوسط قطاع غزة، كان ينتظر موعد توزيع المساعدات على أحر من الجمر، لكون "كرتونتي المعلبات وكيس الطحين وزجاجة الزيت" تمثل كنزاً يتقاسمه بالمليمتر طوال الشهر لدرء شبح المجاعة.
هذا، قبل أن يُفاجأ بقرار برنامج الأغذية العالمي القاضي بوقف وقطع المساعدات الغذائية عن نحو نصف مليون إنسان في القطاع.
ويحرم القرار آلاف العائلات من أبسط مقومات البقاء وسط تفاقم الأزمات الإنسانية وعجز التمويل الدولي، ليتخلف آلاف النازحين عن تأمين رغيف الخبز اليومي ويجدوا أنفسهم بلا ملاذ.
يقول السويركي، لوكالة "صفا"، "يعني الكرتونة الوحيدة المنتظمة يقطعوها، والله لولاها ما نلاقي لا زيت ولا طحين".
يتساءل بما لا جواب له "هل جد أنه قطعوها؟، ولمتى؟".
المصير المجهول بعد القرار
ومثله تقف أم أحمد حتحوت، وهي أرملة تعول أربعة أيتام، في مواجهة مرارة الفقد بعد توقف السلة الغذائية التي كانت تضم الطحين والزيت والمعلبات التي تغنيها عن السؤال.
تتساءل عن مصير أطفالها في ظل غياب أي فرصة عمل أو دخل مالي، قائلة لوكالة "صفا": "قطعوه ماشي، ما البديل في هذا الجوع والخراب، هل تركنا الجميع نومن على قيد الحياة".
وفي ذات السياق، يؤكد الشاب إبراهيم لافي، أن الاعتماد على الطحين والزيت كان الخيار الوحيد للصمود أمام شلل الحركة الاقتصادية وغلاء الأسعار.
يقول لوكالة "صفا"، إن قطع الدعم عن هذا العدد الهائل يعمق مأساة النازحين ويتركهم عرضة لانعدام الأمن الغذائي الحاد.
من جانبها، تعبر النازحة الحاجة فايزة الددا ، عن صدمتها من القرار قائلة، "إن فقدان الطحين والمعلبات معناه مجاعة، فغيرنا معه مال يشتري أما نحن فبين ربطة الخبز أو كيس الطحين نعيش كل يوم".
كسر خواطر وتسول
بينما تشير مروة الشريف، أم لطفلتين بينهما رضيعة، إلى أن شراء الطحين مع عدم استقرار أسعاره، وزوجي لا يعمل، مأساة".
تقول لوكالة "صفا"، "كيس الطحين عندنا بيسووا كل الأكل، ووقف الدعم معناه تسول الناس من بعضهم".
وبدوره، يوضح المصاب محمود أبو حصيرة، أن غياب الحصة الغذائية المكونة من الطحين والزيت، يعني "العالم تخلى عنا نهائيًا".
يضيف "الناس لما تسمع الغذاء العالمي، بتلاقي آلاف جبر خاطرهم، واليوم كسروا خاطر الكل".
ويواجه آلاف النازحين مصيراً مجهولاً، بعد صدور القرار، وسط عجز تام عن تأمين أبسط احتياجاتهم الغذائية.
ويأتي هذا التقليص الصادم في وقت يعيش فيه قطاع غزة تحت وطأة ظروف إنسانية بالغة التعقيد والهشاشة، ورغم مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أن الدمار الواسع، وغياب فرص العمل التي تمس نحو 80% من السكان، جعلت الاعتماد المطلق على المساعدات هو الخيار الوحيد للبقاء.
وكان برنامج الأغذية العالمي ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، قد أشاروا في تقاريرهم أن نقص التمويل الحاد والعجز الذي يتطلب ملايين الدولارات، وهو السبب الذي أكدت المنظمات والمكاتب والجهات الفلسطينية أنه مرفوض، ولا يبرر تخلي البرنامج عن دوره.
كما وقوبلت هذه الخطوة بتحذيرات أممية ودولية صارخة أكدت أن استمرار حجب الدعم يضع قرابة 1.4 مليون شخص في مواجهة مستويات حرجة ومرعبة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، محذرين من انزلاق القطاع مجدداً نحو مربعات المجاعة.
