لم تكن الشوارع المعبدة بالتراب والوجع في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، تدرك أن ظهيرة ذلك اليوم ستكتب فصلاً جديداً من فصول المأساة المستمرة.
في شارع البركة تحديداً، حيث تتزاحم تفاصيل الحياة البسيطة وهموم العيش اليومي، كان الطفل محمد رياض أبو حماد، ابن الرابعة عشرة ربيعاً، يخطو خطواته الأخيرة على طريق العودة المعتاد من مقاعد دراسته. لم يخلع بعد وزرته المدرسية.
ولم يكد يضع حقيبته التي تضج بالدفاتر والأقلام جانباً، ليتنفس صعداء الوصول إلى بيته وعائلته.
كان يحمل في عقله الصغير أحلاماً عادية وبسيطة، ويحمل في قلبه رغبة في مساعدة أبيه في لقمة العيش، وهو لا يدري بأن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية، وتحديداً ما يُعرف بـ"الزنانة"، كانت ترصد طفولته البريئة في ذلك الشارع المزدحم بالمواطنين الآمنين.
من مسيرة حياة لمجزرة بلحظة
في ومضة باردة، تحولت اللحظة العادية إلى مجزرة دموية صارخة إثر استهداف صاروخي مباشر ضرب تجمعاً للمواطنين في شارع البركة بدير البلح.
لم ينذر الصاروخ أحداً، ولم يمنح محمد فرصة للنجاة، بل مزق جسده الغض وأحال حقيبته المدرسية إلى ممزقات ملطخة بالدم والدفاتر المتناثرة على الإسفلت، مخلفاً استشهاد الطفل وإصابة أربعة آخرين بينهم طفلة بريئة.
"راجع من المدرسة،، ما خلع حقيبته وقتلوه، ليش؟!"، يعيد الهم إبراهيم حماد ذات السؤال، الذي لا إجابة له بغزة، منذ ثلاث سنوات.
لقد اخترقت الشظايا دفاتر محمد المدرسية، لتختصر ببرود مشهداً قاسياً يلخص ما يتعرض له أطفال القطاع حتى في أبسط تفاصيل حياتهم اليومية المرتبطة بالتعليم والعودة إلى المنازل.
وقعت الفجيعة الكبرى على قلب والد محمد، الذي كان ينتظر عودته بفارغ الصبر ليشاركه مشوار الحياة والعمل، كالصاعقة.
ارتمى على جثمانه قبله وبناء طفله لطخت وجهه، عاجزاً عن استيعاب حجم الفقد، صارخًا: "يا رب يا رب ابني محمد.. الله يرضى عليك يا حبيبي".
والأم تخاطب الجثمان فيما الروح تحوم حولهما، وهي تستنجد "خليك عندي يا يما، والله كنت إلي المريحني".
وخاطب الأب تعب السنين: "أنت اللى بتقولي روح وراك رجال"، في اشارة لمحمد الذي شارك الأب العمل، ليعيل الأسرة.
خيم وتجويع ثم قتل
ولم يجد الأب مخرجًا سوى الاستسلام لرحيل الروح، مرددًا "حبيبي يا محمد، الله يرضى عليك ويسامحك".
ولم يكن فقدان محمد خبراً عابراً في حياة أبيه، بل كان انتزاعاً لروح البيت وسنده الذي لم يغب عن خاطره حتى وهو يودعه جثماناً هامداً.
ولم تكن صرخات العم إبراهيم أقل لوعة حين انفجر غضباً في وجه الظمت ووحشية الواقع المعيش، ليوثق تفاصيل اللحظة الدامية بكلمات تنبض بالقهر: "صاروخ زنانه ضربوه علينا واحنا واقفين باب الدار، وكان محمد جنبي، مباشر ضرب الصاروخ طفل".
وتساءل "ما خلع حقيبة المدرسة لسه، جاي بيشتري وأبوه راح مشوار بده يكمل رزقتهم.. لما قتلوه؟".
ويستنكر صمت العالم، وهو يردد "يكفي عايشونا بخيم وبجوع وبفقر، بتقتلونا ليش؟ ايش بدكم في الطفل تقتلوه؟! ".
إن جريمة اغتيال طفولة محمد امتداد لكارثة كبرى تستهدف جوهر الوجود الفلسطيني في غزة.
فمنذ بدء حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، تعرض قطاع التعليم والطفولة لعملية تجريف وتدمير ممنهجة طالت مفاصل الحياة كافة.
وبحسب التقارير والبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، تجاوز عدد الشهداء من الطلبة والكوادر التعليمية آلاف الضحايا، حيث استشهد ما يزيد عن 19 ألف طالب مدرسي وآلاف الطلبة الجامعيين في قطاع غزة وحده، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى والمصابين بإعاقات دائمة.
تركت الحقيبة المدرسية الممزقة للشهيد محمد رياض أبو حماد وراءها سؤالاً كبيراً ومفتوحاً يعجز العالم عن الإجابة عنه: كم من الأطفال ينبغي أن يفقدوا حقهم في العودة إلى بيوتهم سالمين، وكم من الدفاتر يجب أن تبتلعها الشظايا قبل أن يتحمل المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية مسؤوليتهم الفعلية في حماية أطفال غزة وطلبتها.
