لم يكن الحاج كمال محمود عناب قويدر يعلم أن ذهابه إلى مسجد الصحابة في حي الدرج وسط مدينة غزة ستكون رحلته الأخيرة، وأنه سيُفارق الحياة في المكان الذي اعتاد الصلاة فيه لأكثر من 40 عامًا، تاركًا خلفه دعاءً يُرافق ابنه إيهاب، المسعف الذي واصل عمله في إنقاذ الأرواح طوال سنوات الإبادة الإسرائيلية.
وقبل توجهه إلى المسجد، تناول الحاج كمال، البالغ من العمر 79 عامًا، وجبة الغداء نحو الساعة الثانية ظهرًا، ثم توضأ واستعد لأداء صلاة العصر.
عند وصوله إلى المسجد، وجد أبوابه مغلقة، فانتظر حتى فُتحت، ثم دخل لأداء الصلاة، قبل أن توافيه المنية في الركعة الثانية، وهو يرفع إصبع السبابة.
لم تكن الصلاة في مسجد الصحابة أمرًا عابرًا في حياة الحاج كمال، بل ارتبط به منذ طفولته، وظل مواظبًا على الصلاة في الصف الأول خلف الإمام مباشرة لأكثر من أربعة عقود، حتى كانت صلاته الأخيرة في المكان الذي اعتاد ارتياده طوال سنوات عمره.
"حمامة المسجد"
عُرف الحاج كمال بتعلقه بالمسجد وحرصه على أداء الصلوات فيه، إلى جانب مواظبته على ذكر الله والصدقة والدعاء للآخرين بالخير، ما أكسبه محبة أهله وجيرانه، الذين أطلقوا عليه لقب "حمامة المسجد"، وفق نجله.
وكان الحاج كمال، وحيد والديه وله أخت واحدة، أبًا لخمسة أبناء وخمس بنات، حرص على تربيتهم وتأمين مستقبلهم وتزويجهم وتأسيس بيوت لهم.
عُرف بتواضعه الشديد وعلاقته الوثيقة بأبنائه، غير أن الحرب خلّفت جرحًا عميقًا في العائلة، باستشهاد إحدى بناته وثلاثة من أبنائها.
ومع رحيل والده، يستعيد إيهاب تفاصيل العلاقة التي جمعتهما، من دعاء الصباح وانتظاره حتى العودة من العمل، ونصائحه التي رافقته في الميدان، إلى تلقي صدمة الوفاة، والأمنيات التي لم يمهله القدر لتحقيقها.
"فقدت قطعة من قلبي"
كان إيهاب في طريق عودته من العمل إلى المنزل، حين تلقى اتصالًا هاتفيًا من أحد أقاربه يبلغه بوفاة والده.
وقع الخبر عليه كالصاعقة، ولاسيما أنه ودّعه صباحًا قبل مغادرته، واستمع إلى دعائه المعتاد بأن يحفظه الله ويرده سالمًا.
ويقول إيهاب، لوكالة "صفا"، إن علاقته بوالده كانت قوية، وإنه شعر لحظة تلقي الخبر وكأنه فقد قطعة من قلبه، في صدمة تركت في نفسه حزنًا عميقًا.
ومنذ بدء عمله في الإسعاف عام 2011، اعتاد إيهاب الاستماع إلى دعاء والده قبل مغادرة المنزل، كما كان يجده بانتظاره عند عودته، حرصًا على الاطمئنان عليه ومنحه وقتًا للراحة بعد ساعات طويلة يقضيها في إسعاف المصابين وإنقاذ حياتهم، وكان دعاؤه يرافقه في كل مرة يتوجّه فيها إلى الميدان.
"كان والدي يرى في مهنتي رسالة إنسانية نبيلة، أكرّس لها جهدي لخدمة الناس وإنقاذ المصابين، يضيف إيهاب.
نجاة من الموت
خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، تعرّض إيهاب وزملاؤه لعدة استهدافات أثناء تأدية واجبهم الإنساني، غير أن إحدى اللحظات بقيت عالقة في ذاكرته، حين كانوا يعملون على إخلاء المصابين من المناطق الشرقية لمدينة غزة.
ويوضّح إيهاب أنه بعد نحو ربع ساعة من خروجه إلى العمل، تعرّض هو وزملاؤه لاستهداف مباشر، وسقط صاروخ بجانبه دون أن ينفجر، لينجو ومن معه ويواصلوا مهمتهم في إنقاذ المصابين.
وفي تلك الأثناء، كان والده يحاول الاتصال به للاطمئنان عليه، فيما لم يكن إيهاب يدرك حجم القلق الذي كان يرافق والده مع كل خروج له إلى الميدان.
ويقول إن نجاته بعثت في نفسه طمأنينة كبيرة، مستحضرًا دعاء والده ورضاه عنه، فقد اعتاد أن يحمل كلماته معه أينما ذهب، وأن يستمد منها القوة في مواجهة المخاطر التي تحيط بعمله.
أمنية لم تتحقق
ومن بين الذكريات التي تثقل قلب ابنه إيهاب، أمنية والده التي لم يتمكن من تحقيقها قبل وفاته؛ إذ كان الحاج كمال يلح على أبنائه أن يصطحبوه إلى أرضه في مخيّم البريج وسط قطاع غزة، لكن ظروف الحرب وصعوبة المواصلات وطبيعة عمل ابنه حالت دون ذلك.
ويقول إيهاب إن العائلة اتفقت على اصطحاب والده إلى أرضه يوم الخميس، لكنه توفي قبل حلول الموعد، لتبقى تلك الأمنية التي لم تتحقق واحدة من الذكريات المؤلمة التي رافقت رحيله.
ورغم فقدان والده، يواصل إيهاب أداء واجبه الإنساني، متمسكًا بالقيم التي غرسها فيه، وبما كان يحثه عليه من مساعدة الناس وإنقاذ أرواحهم ابتغاء الأجر والثواب من الله.
فوالده الذي رحل جسدًا، بقي حاضرًا في ذاكرة أبنائه وكل من عرفه، كما يقول، فيما تظل كلماته وقيمه رفيقتين لابنه في طريقه، تذكّره برسالة العطاء والتقوى التي تركها له.
