القدس المحتلة - خاص صفا
يجد المقدسي فايز عواد نفسه أمام واقع قاسٍ، بعدما حوّلت جرافات الاحتلال الإسرائيلي منزله في حي البستان ببلدة سلوان جنوبي المسجد الأقصى المبارك إلى ركام، دافنةً تحت أنقاضه ذكرياته وأحلامه، في مشهد يلخّص معاناة المقدسيين مع سياسة هدم المنازل.
ففي نهاية أيار/مايو الماضي، فوجئ المقدسي فايز عواد باقتحام قوات الاحتلال حي البستان، والشروع في هدم منزله ومنزل ابنته زينب، ما ترك أفراد العائلة أمام واقع قاسٍ بعد فقدان مأواهم الوحيد.
واقع قاس
يقول عواد، في حديث لوكالة "صفا"، إن بلدية الاحتلال لا تتوانى عن استهداف منازل المقدسيين في مدينة القدس، ولا سيما في بلدة سلوان، التي تتعرض لهجمة متصاعدة تستهدف أحياءً بأكملها.
ويضيف أن جرافات الاحتلال هدمت منزله ومنزل ابنته، البالغة مساحتهما الإجمالية 180 مترًا مربعًا، بحجة البناء دون ترخيص، ما أدى إلى تشريد نحو 9 أفراد كانوا يقيمون فيهما، بينهم أطفال ونساء.
ويوضح أن بلدية الاحتلال ترفض منح المقدسيين تراخيص البناء، وفي الوقت ذاته تهدم منازلهم، بعد صراع طويل في المحاكم، يضطرون خلاله إلى خوض معارك قانونية مكلفة في محاولة للحفاظ على منازلهم.
ويشير إلى أن بلدية الاحتلال فرضت على العائلة مخالفات وغرامات مالية بقيمة 68 ألف شيكل، ورفضت مرارًا وتكرارًا وقف عملية الهدم، كونها تسعى إلى تهجيرنا وطردنا من بيوتنا ومدينة القدس.
وفي الآونة الأخيرة، صعّدت بلدية الاحتلال من عمليات هدم المنازل في القدس، وأجبرت المقدسيين على هدم منازلهم بأيديهم، في وقت يتهدد كابوس الهدم مئات المقدسيين الذين تلقوا إخطارات بالهدم، ما يفاقم أزمة السكن ويضع آلاف العائلات أمام خطر فقدان مساكنها.
تفريغ القدس
عضو لجنة الدفاع عن أراضي سلوان الباحث فخري أبو دياب يقول إن سياسة تفريغ القدس من سكانها الفلسطينيين، عبر الامتناع عن منح تراخيص البناء وهدم المنشآت، تهدف إلى تقليص أعدادهم ودفعهم إلى الرحيل والعيش خارج المدينة.
ويشير أبو دياب، في حديث خاص لوكالة "صفا"، إلى أن هذه السياسة قديمة، وينتهجها الاحتلال الإسرائيلي منذ احتلال القدس عام 1967، موضحًا أن الاحتلال هدم نحو 39 ألف منزل في المدينة منذ ذلك الحين وحتى اليوم.
ويضيف أن عمليات هدم المنازل تصاعدت عقب حرب الإبادة على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في إطار محاولات تغيير التركيبة السكانية للمدينة، ومعاقبة المقدسيين وإشغالهم بتداعيات الهدم، لصرفهم عن التصدي للسياسات الاستيطانية والتهويدية.
ووفقًا للباحث المقدسي، فإن نحو 23 ألفًا و400 منزل ومنشأة مهددة بالهدم في القدس، إذ تزعم بلدية الاحتلال أنها بُنيت بصورة غير قانونية، وتؤوي نحو 34% من سكان المدينة.
ويحذّر من أن هذه المعطيات تعني أن أكثر من ثلث المقدسيين يواجهون خطر التهجير، في ظل أوامر الهدم والقيود المفروضة على البناء، ما يُسهم في تغيير التركيبة السكانية للقدس.
وتسعى سلطات الاحتلال، وفق أبو دياب، من خلال هذه الممارسات، إلى ممارسة مزيد من الضغوط على المقدسيين، وإضعاف معنوياتهم، ودفعهم إلى الرحيل عن المدينة.
ويؤكد أن جميع أحياء القدس مستهدفة بسياسات الهدم وحرمان الفلسطينيين من تراخيص البناء، إلا أن المناطق الواقعة ضمن ما يُسمى مخطط "الحوض المقدس"، الممتد من حي الشيخ جراح شمال البلدة القديمة إلى بلدة سلوان، إلى جانب البلدة القديمة، تُعد من أكثر المناطق استهدافًا بهذه السياسات.
وتتعرض بلدتا سلوان وجبل المكبر بصورة أكبر لعمليات هدم، ولا سيما سلوان، نظرًا لملاصقتها للمسجد الأقصى، بهدف تقليص الوجود الفلسطيني في محيط المسجد، تمهيدًا لتغيير هوية المنطقة وفرض واقع استيطاني جديد فيها.
تقليص الوجود الفلسطيني
وبحسب أبو دياب، لا تسمح سلطات الاحتلال للمقدسيين بالبناء إلا على نحو 13% من مساحة القدس، وهي مساحة لم تعد تستوعب الزيادة الطبيعية في عدد السكان، في ظل القيود المفروضة على البناء حتى ضمن المناطق المسموح بها، عبر رفض طلبات الترخيص، وهدم المنشآت القائمة، ومحاولات الاستيلاء على الممتلكات الفلسطينية.
ويبين أن هذه السياسات تهدف، إلى جانب الضغط على المقدسيين وإضعاف صمودهم، إلى تفريغ المدينة من سكانها الفلسطينيين وتهويدها، مشيرًا إلى أن الاحتلال يراهن على اضطرار العائلات، مع مرور الوقت، إلى البحث عن أماكن أخرى للسكن خارج القدس.
وتستهدف مخططات الاحتلال، يؤكد أبو دياب، إبقاء الوجود الفلسطيني بأعداد محدودة ومناطق متفرقة، تحاصرها التجمعات الاستيطانية، وتتغلغل بينها الجمعيات الاستيطانية، بما يؤدي إلى إضعاف النسيج الاجتماعي المقدسي وإحلال الوجود الاستيطاني مكانه.
ويتابع أن من أهداف عمليات الهدم وحرمان المقدسيين من تراخيص البناء إبعاد السكان عن محيط المسجد الأقصى، عبر استهداف المنازل القائمة ومنع إقامة مساكن جديدة، بما يؤدي، على المدى البعيد، إلى تقليص الوجود الفلسطيني في المناطق المحيطة بالمسجد.
وفيما يتعلق بطلبات التراخيص، يقول أبو دياب إن آلاف المقدسيين تقدموا خلال السنوات العشر الماضية بطلبات للحصول على تراخيص بناء، واستوفى عدد منها الشروط المطلوبة، إلا أن نسبة الفلسطينيين الذين حصلوا على التراخيص لا تتجاوز 1%.
في المقابل، يشير إلى أن أكثر من 97% من طلبات الترخيص التي يتقدم بها المستوطنون تحصل على الموافقة، فيما تُجرى تعديلات على بعض الطلبات الأخرى.
ويضيف أن القيود المفروضة على البناء، إلى جانب عدم إقرار مخططات هيكلية تلبي احتياجات الفلسطينيين، تُستخدم لمواصلة هدم المنازل والحد من التوسع العمراني الفلسطيني، في مقابل تسهيل التوسع الاستيطاني.
تداعيات الهدم
وحول تداعيات الهدم على المقدسيين، يؤكد أبو دياب أن آثاره لا تقتصر على تدمير المباني، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية لحياة العائلات المتضررة، التي تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن مساكن بديلة وتحمل أعباء مالية إضافية.
ويبين أن فقدان المنزل لا يعني خسارة المأوى فحسب، بل يشمل أيضًا الذكريات والتاريخ العائلي، ويضع الأسرة أمام تحديات تتعلق باستقرارها المعيشي والنفسي والاجتماعي، في ظل صعوبات تأمين مسكن بديل وما يترتب على ذلك من انعكاسات على مختلف جوانب حياتها.
ولا يقتصر استهداف الاحتلال على المنازل، بل يشمل المحال التجارية والورش والمنشآت الاقتصادية، ما ينعكس على مصادر رزق المقدسيين ومقومات بقائهم في المدينة.
ويقول أبو دياب إن القيود المفروضة على البناء وأزمة السكن تؤثران أيضًا على الحياة الاجتماعية، إذ يضطر كثير من الشباب إلى تأجيل الزواج وتأسيس أسر جديدة لسنوات بسبب عدم توفر المساكن، فيما يجد المقبلون على الزواج أنفسهم أمام خيارين: تأجيل تكوين أسرهم أو الانتقال للعيش خارج القدس.
ويؤكد أن المدينة تحتاج إلى نحو 5 آلاف وحدة سكنية سنويًا، في حين لا تسمح سلطات الاحتلال، في بعض السنوات، ببناء أي وحدات سكنية للفلسطينيين، ما يفاقم أزمة السكن ويهدد الاستقرار الاجتماعي.
ر ش
