لم تكن أنياب الجرافة، التي هوت على الجدران في حي "سويسة" بأم الفحم تكسر طوباً وأسمنتًا فحسب، بل كانت تهشم سنواتٍ من السهر والتعب، وتدوس على أحلام زفافٍ كانت قاب قوسين أو أدنى.
بين أزقة المدينة وفي لحظة قهر صامتة، وقف الشاب محمد جمال إبراهيم خليفة ليقوم بالمهمة الأكثر مرارة في حياته: أن يهدم منزله بيديه.
منزل أمضى أيامه ولياليه في هندسته وبنائه، وأنفق عليه ما يفوق الـ 600 ألف شيكل، مضحياً بغالبيته العظمى من مدخراته ليكون عشّ الزوجية الذي يستعد من خلاله لخطو عتبة حياة جديدة وعائلة ترسم مستقبلها بأمان.
لكن آلة القوانين الإسرائيلية لم تترك له متسعاً للفرح، فالتخيير كان قاسياً ومرعباً، إما أن تحطم تعب عمرك بمطرقتك، أو تحضر آليات السلطات لتفعل ذلك، وتتركك محملاً بفواتير وغرامات باهظة قد تتضاعف لتصل إلى مليون شيكل.
دفع حتى الرمق الأخير
"أبني وأدفع وعند هدم حلم عمري أدفع؟!"، قالها خليفة وهو يهدم بيته الملكي، قبل أن يخطو فيه خطوة نحو حياته الزوجية.
يضيف بحرقة "حاولنا أن نمنع الهدم بحجة أني غير مرخص، ولكن المحاكم مع السلطات، وكله علينا".
هذه المشاهد القاتمة لم تعد حالات فردية، بل تحولت إلى طقس يومي، يضرب أم الفحم وبلدات وادي عارة والداخل الفلسطيني عموماً.
ففي ظل خنقة تختاج مسطحات البناء، والمماطلة المتعمدة في المصادقة على الخرائط الهيكلية، يقف مئات الشبان عزلًا أمام شبح التهجير الداخلي.
ولا يعمل ما يسمى قانون "كامينيتس" الصارم سوى كمنجل يقطع خيوط أي أمل قانوني، محولاً سياسات التنظيم والبناء إلى سلاح استنزاف يخير المالك بين الإفلاس المالي أو الانهيار النفسي تحت وطأة الهدم الذاتي.
أرقام لجان التنظيم تفضح حجم الكارثة، فمئات أوامر الهدم المعلقة كالسيف على رقاب العائلات في وادي عارة وحدها نحو 253 أمراً، معظمها في أم الفحم.
تسارع لحصد الأصوات
ويؤكد رئيس بلدية أم الفحم سمير محاميد، أن ما يجري يعكس سياسة ممنهجة وعميقة من التمييز الصارخ.
ويشدد على أن "أوامر الهدم والضغط المستمر لتنفيذها ذاتياً تستهدف البلدات الفلسطينية بشكل انتقائي، بينما تتجاهل السلطات إيجاد الحلول الحقيقية وتوسيع مسطحات التخطيط العالقة".
ويضيف محاميد أن المجالس والبلديات تقف مراراً أمام جدار مسدود بفعل القوانين التعسفية مثل "كامينيتس".
ولكنه يؤكد أن استعار الهدم الذاتي وغيره، سيتصاعد خصوصًا في ظل حكومة متطرفة وانتخابات مقبل، يتسارع الجميع فيها تغولًا على الفلسطينيين ليحصد المزيد من أصوات الشارع الإسرائيلي.
ويدعو إلى وحدة موقف شعبية ووطنية لحماية المالكين وصيانة الحق الطبيعي في السكن والبقاء على الأرض، قبل أن تحول السياسات الرسمية مدننا إلى ركام بـ"أيدي أصحابها".
