مع مرور ثلاث سنوات من حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، تعود إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول جدوى الهياكل والأطر الدولية، التي أُنشئت تحت عناوين وقف الحرب، ولاسيما بعد عام كامل من اتفاق وقف إطلاق النار.
ويتصدر هذه الأطر ما يُسمى "مجلس السلام"، الذي أُسس بمبادرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، استنادًا إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، كإطار انتقالي لإدارة الشؤون الأمنية والإنسانية وإعادة الإعمار في قطاع غزة عقب التوصل للاتفاق.
وكان الهدف المعلن من إنشاء المجلس إدارة المرحلة الانتقالية، والعمل على التوصل لوقف إطلاق نار شامل وتام، وتسهيل دخول المساعدات الإغاثية، والبدء في عمليات إعمار القطاع والتخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية.
غير أن الواقع الميداني على الأرض بعد انقضاء نصف ولاية المجلس، المحددة أواخر عام 2027، يؤكد عجزه وشلله الكامل عن تحقيق أي من استحقاقات الشعب الفلسطيني.
وتشير المعطيات إلى أن غزة لا تزال مدمرة بشكل شبه كامل، وتدار محاولات البقاء فيها بجهود وإمكانيات محلية متواضعة لا تلبي الحد الأدنى من احتياجات السكان المسلوبة حقوقهم الأساسية.
إطار شكلي وهيكل بلا أدوات
وفي هذا الصدد، يؤكد القيادي في حركة "حماس"، محمود مرداوي، في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن "مجلس السلام تحول إلى إطار غير فاعل، لأنه فاقد للأدوات التي تضغط على كيان العدو الإسرائيلي".
ويشدد مرداوي على أن المجلس "اعتمد على العلاقات العامة لإقناع الحكومة الإسرائيلية بتطبيق التزاماتها والتي بدورها ترفضها تمامًا".
ويقول: "لذلك فشل المجلس والجهات الراعية له في تحويل الوعود التي قدموها إلى إجراءات عملية، وهي استحقاق أصيل للشعب الفلسطيني وخاصة فيما يتعلق بالجوانب الإنسانية والإغاثية، والوقف الكامل للحرب".
ويضيف مرداوي "للأسف، مجلس السلام شأنه شأن باقي المؤسسات الدولية التي تتوقف وتتعطل قراراتها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل".
ويتابع "شعبنا ينتظر منذ عشرات السنين تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بحمايته وإقامة دولته، لكن تلك القرارات تتحول دائماً إلى حبر على ورق نتيجة الرفض الإسرائيلي".
ويشير إلى أننا "اليوم أمام المشهد نفسه مع هذا المجلس الذي تحول إلى حبر على ورق مع إبقاء المعاناة قائمة".
ويرى القيادي في "حماس"، أن المتبقي من عمر المجلس الزمني، والذي نصت عليه المرحلة الانتقالية حتى نهاية عام 2027، ستقضيه "إسرائيل" في المماطلة والتأجيل.
ويستطرد "من المتوقع أن تنهي إسرائيل المدة المتبقية بالتأجيل والتسويف، دون تقديم أي شيء، ولذلك تحول المجلس لإطار شكلي فاقد لقيمته العملية".
ويشدد على أن "المطلوب منه الآن هو تحديد الطرف المعطل بوضوح، وهو الاحتلال الذي يرفض وقف الحرب ويحول الأزمة الإنسانية في غزة إلى أزمة مستدامة في ظل انعدام المرافق الخدمية والمنازل السكنية".
"صِيغ لهدف ولا نراهن عليه"
من جانبه، يقدم المحلل السياسي عادل شديد، قراءة تفصيلية لخلفيات نشأة المجلس ومحدودية دوره، مؤكدًا أن الدور الحقيقي لمجلس السلام في قطاع غزة لم يكن الذي كان يتوقعه أو يريده الفلسطينيون والعرب.
ويقول في حديث لوكالة "صفا"، إن "هذا الدور متمثل في إيقاف الحرب وإدخال مواد البناء والبدء بالإعمار وبناء المستشفيات والمدارس والجامعات والمساكن".
ويرى شديد، أن هذه المهام ذُكرت ببند من بنود تأسيس المجلس، ولم يقم بها، لكونه شُكل برعاية ودعم مباشر من الإدارة الأمريكية الحليف الاستراتيجي لـ"إسرائيل".
ويتابع "ليس من المعقول أن يحقق لنا ما نعتبره نحن نجاحًا، بينما يعتبره الاحتلال فشلاً بالنسبة له".
ومن وجهة نظر شديد، فإن سياسة المجلس تركزت إستراتيجياً على خدمة أهداف محددة، مثل تأمين الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، والعمل على وقف إطلاق النار من طرف الفصائل الفلسطينية فقط.
كما عمل المجلس على احتواء الحملات الداخلية المناهضة لحكومة الاحتلال الإسرائيلي، وتجهيز البيئة الإقليمية بتهدئة الساحة في غزة، يقول شديد.
"لم قبلناه إذن؟"
وعن أسباب قبول الجانب الفلسطيني والعربي بالتعاطي مع هذا الإطار رغم إدراكهم محدودية تأثيره على الاحتلال، يبين شديد أنه "لم تكن هناك خطة أو مقترح أفضل مطروح على الطاولة".
ويستطرد "كان الخيار المتاح هو القبول بالواقع السيئ لتجنب ما هو أسوأ، والمتمثل في تواصل حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل والتهجير القسري المباشر".
ويلفت المحلل السياسي إلى أن نقاط القبول الفلسطينية والعربية انحصرت في تحقيق ثلاثة أمور أساسية بالحد الأدنى، وهي تخفيض أعداد الشهداء اليومية مقارنة بذروة الحرب، والسماح بدخول حد أدنى من شاحنات المساعدات التي كان يمنعها الاحتلال بالكامل، إضافة إلى الحد نسبياً من مخططات التهجير الجماعي.
وبالمحصلة، فإن "من يتوقع الأفضل من مجلس سلام الذي تشكل برعاية أمريكية فهو واهم، ولن يكون له أي دور إيجابي حقيقي حتى انتهاء ولايته في أكتوبر 2027"، وفق شديد.
ويشدد على أنه في حينه، ينبغي أن يكون هناك موقف ومقترح فلسطيني موحد وخطاب عربي متماسك تجاه قطاع غزة والقضية الفلسطينية برمتها.
ويضم "مجلس السلام"، هيئات قيادية وإشرافية أبرزها "المجلس التنفيذي التأسيسي" و"مجلس غزة التنفيذي" بقيادة الممثل السامي لغزة الدبلوماسي الأممي السابق نيكولاي ملادينوف والقائد العسكري الميجر جنرال الأمريكي جاسبر جيفيرز.
وتشمل عضوية المجلس، شخصيات دولية وإقليمية بارزة، من بينها: وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والمبعوث ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ورئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، إلى جانب مسؤولين إقليميين كوزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، والوزيرة الإماراتية ريم الهاشمي، والمستشار القطري علي الذوادي، والدبلوماسية الهولندية "كاغ".
