web site counter

للعام الثالث

دموع فوق أغطية الطوارئ.. أطباء غزة يدفعون فلذات أكبادهم ثمن الصمود

غزة - خاص صفا

لا يزال الرداء الأبيض في قطاع غزة، يتجاوز مجرد حماية مهنية لطبيب يستقبل الجرحى والمصابين، بل تحوّل على مدار أشهر العدوان والإبادة، إلى كفن يغطي فيه الطبيب المنهك جسد ابنه الشهيد.

فمشهد أن يمسح الطبيب الدماء عن نجله، طفلًا كان أو صبيًا أو شابًا، وهو يرقد على أسرّة غرف العمليات، ما زال يتكرر في غزة.

إنها المعضلة الأكثر قسوة في التاريخ الطبي المعاصر، حيث يقف الكادر الصحي بغزة، بين أمانة القسم الطبي وفاتورة الفقد الممتدة حتى العظم.  

فاجعة البرش للمرة الثانية 

ففجر أمس، كانت المنظومة الصحية على موعد مع فاجعة جديدة هزت أروقتها المهشمة، إذ استشهد الشاب بصير البرش، النجل الأكبر لمدير عام وزارة الصحة في غزة منير البرش، إثر غارة إسرائيلية استهدفته في حي الزهراء غربي مخيم جباليا شمالي القطاع.  

ولم تكن هذه الفاجعة الأولى في بيت البرش، إذ سبق وأن التحقت ابنته الصغرى "جنان"، بركب الشهداء في قصف سابق. 

وحين خرج الطبيب الأب يحمل جثمان نجله المخضّب بالدماء، لم ينكسر أداء الواجب في كلماته، بل جاء حديثه أمام شاشات العالم ليختزل عقيدة الطبيب الثابت.

وردد البرش خلال تشييع ابنه ولملمة أشلائه: "أمانة كانت لدينا وأعادها الله، الحمد لله الذي شرفنا باستشهاده، وقد سبقني للجنة".

وتابع بقهر وثبات "نحن على درب التداوي والثبات مستمرون، لن نغادر الميدان ولن نترك أهلنا بلا طبابة مهما بلغت التضحيات".  

تتابع الجنازات 

وتجسد هذه الفاجعة الامتداد المؤلم لما عاشه الطبيب الأسير حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال غزة، الذي فُجع باستشهاد نجله "إبراهيم" إثر قصف قريب من المستشفى. 

ذلك المشهد هز الضمير العالمي، حين خرج أبو صفية بزيّه الطبي الملطخ بالدماء ليصلي صلاة الجنازة على جثمان نجله داخل ساحة المستشفى المحاصر، ثم مسح دموعه بيدين ترتجفان وعاد فوراً لإسعاف المصابين تحت القصف المباشر.

هذا، قبل أن ينتهي به المطاف مكبلاً ضمن قائمة الأطباء المعتقلين لدى الاحتلال.  

أطفال الأطباء

وفي أروقة مستشفيات جنوبي القطاع، خلّدت ذاكرة الحرب مأساة طبيب التخدير محمد حامد أبو موسى.

كان ذلك حين صرخت زوجة الطبيب المكلومة بين الممرات تفتش عن طفلها وتقول: "اسمه يوسف، عمره 7 سنين، شعره كيرلي وحلو"، ليتبين أن الصبي الذي وصل جثة هامدة إلى قسم الطوارئ الذي يعمل به والده، هو يوسف نفسه. 

وقف الطبيب المذهول أمام جثمان طفله، مستسلماً لقضاء الله، ومسح رأس نجله الشهيد قبل أن يعود إلى غرف العمليات، لإسعاف أطفال آخرين ينزفون على الأسرّة.  

فقد جماعي

وخلال حرب الإبادة، تجسدت مشاهد الاستقبال الفاجع داخل أروقة المشفى، حينما فُجع الطبيب الصيدلي إياد شقورة الذي كان يعمل على مدار الساعة في تغطية شواغر الطوارئ، بانتشال طفليه "عبد الرحمن" و"عمر" وأمه وعدة أفراد من أسرته من تحت أنقاض منزلهم المقصف. 

احتضن الطبيب طفليه المجللين بالدماء ووضعهما في كفنٍ واحد قبل أن يعود لاستقبال بقية الجرحى.  

فاتورة الفقد الشاملة 

وتُعد محن البرش وأبو صفية وأبو موسى وشقورة، من الشواهد الأبرز على قائمة طويلة تضم مئات الكوادر، فقد تلقت الطبيبة آلاء النجار وزوجها الطبيب حمدي النجار جثامين أطفالهما التسعة دفعة واحدة.

وكان مشهد وداع النجار لأطفالها، من أشد محن الكوادر الطبية خلال الحرب، بعدما استشهدوا جميعًا إثر غارة استهدفت منزلهم بخان يونس، بينما كانت تؤدي الواجب في مجمع ناصر الطبي. 

وفي حادثة أخرى، استشهد طبيب الأسنان محمد الهبيل ونجله "موسى" معاً، بغارة أثناء محاولتهما جلب المياه للنازحين بشمال غزة.

كما تلقى عدد من المسعفين من خلال حرب الإبادة، بلاغات استشهاد أبنائهم وأسرهم، وهم في سيارات الإسعاف يلبون نداءات الاستغاثة.  

تصفية القيادات الطبية 

ولم تتوقف الفاتورة عند القصف الجوي والاستهداف المباشر لبيوت الأطباء وأطفالهم، بل امتدت لتطال أرواحهم داخل معتقلات وسجون الاحتلال عقب اختطافهم من داخل المستشفيات وأثناء تأدية الواجب الإنساني.  

وتشير بيانات وزارة الصحة، التي اطّلعت عليها وكالة "صفا"، إلى ارتفاع عدد شهداء الكوادر الطبية في قطاع غزة إلى أكثر من 1700 منذ بدء حرب الإبادة.

وتشمل هذه البيانات أطباء واستشاريين ومسعفين وكوادر تمريضية وإدارية، إلى جانب اعتقال مئات آخرين يُخفون في ظروف قاسية. 

وسجلت المعتقلات استشهاد قامات طبية مرموقة تحت وطأة التعذيب والتنكيل الممنهج.

وفي مقدمة هؤلاء، جراح العظام الشهير الطبيب عدنان البرش، رئيس قسم العظام بمستشفى الشفاء، الذي اغتيل داخل سجنه بعد أشهر من اختطافه، والطبيب زياد الدلو نائب مدير قسم الباطنة، فضلاً عن العشرات الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اللحظة. 

ر ب/أ ج

/ تعليق عبر الفيس بوك