لم يكن محيي الدين بلبل (21 عاماً) يدرك أن الجلوس على قارعة الطريق في غزة خلال شهر أيلول/ سبتمبر العام الماضي، سيكلفه نظره وما تبقى من ملامح شبابه.
شظايا قصف عنيف وجنوني، أطاحت به، خلال ضربة جوية استهدفت محيط أحد البنوك، لتحيل جسده إلى حروق غطت 75% منه.
ولا يقتصر الأمر عند التشوهات، فشظايا الصواريخ انغرست في عينيه، ولا تزال تواصل نهش عصبه البصري حتى هذه اللحظة.
بدأ شبابه بالعمى
"بديت شبابي بالعمى"، يقول محيي الدين لوكالة "صفا"، ماقتًا على الاحتلال وقنابله.
وقضى الشاب عشرين يوماً بين الحياة والموت داخل العناية المركزة، استطاع بعدها أن ينجو ببدنه، لكن الشظايا المستقرة في عينيه تحولت إلى كابوس زاحف.
يضيف "فقدتُ البصر تماماً في إحدى عيني، بعدما كنت أحاول الرؤية فيها بنسبة 10%".
وبحرقة يردد "النظر عندي يتراجع في عيني الثانية، بشكل متسارع ليتراوح بين 25 و30 بالمئة فقط".
وبسبب ضرب الشظايا المستمر لعصب عينيه، يعاني محيي الدين، على مدار الساعة، من صداع مزمن وأوجاع لا تسكنها المسكنات، التي باتت بلا فائدة أمام تلف الأنسجة البصرية.
يقول بصوت يختنق بالحرقة: "لست ميتاً على السفر للرحيل عن غزة، أنا أريد غزة وأريد أن أبقى فيها، لكنني أريد أن أرى".
يتابع "عمري واحد وعشرون عاماً، أقف في بداية حياتي، فكيف أبدأها بالعمى التام؟".
الصوت الأخير
ويناشد أصحاب الضمائر ومنظمة الصحة العالمية، "كل يوم يمر يسرق مني ما تبقى من ضوء، والشظايا تضغط على عصب العين وتقتله ببطء شديد، أناشد بالخروج للعلاج فقط".
ورغم حصوله على تحويلة طبية رسمية وتقارير معتمدة من منظمة الصحة العالمية منذ عام 2025 تؤكد حاجته العاجلة، لإجراء عمليتين جراحيتين معقدتين خارج القطاع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن ملف محيي الدين، العلاجي يواجه تجاهلاً تاماً وصمتاً أطبق على مناشداته المستمرة.
ويقف الشاب اليوم معلقاً بين حلم استعادة الضوء وخوف يستبد به كلما أظلمت الرؤية أكثر.
ويشكل الإجلاء الطبي حبل النجاة الوحيد لآلاف المصابين في قطاع غزة، حيث خلف العدوان الإسرائيلي المتواصل أكثر من 174 ألف جريح، وسط انهيار شبه تام للمنظومة الصحية، ونقص حاد في الكوادر والمستلزمات الطبية.
وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية عن وجود أكثر من 18,500 مريض وجريح بحاجة ماسة ومستعجلة للسفر وتلقي العلاج في الخارج.
ولكت التقديرات المحلية للجهات بغزة، ترتفع لتشير إلى أن نحو 22 ألف حالة تنتظر فتح المعابر.
