تراجع الذهب بنحو 3% خلال تعاملات الجمعة، رغم استمرار الحرب في الشرق الأوسط وتصاعد المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، في تحرك يعكس تحول اهتمام أسواق المال من المخاطر الجيوسياسية إلى السياسة النقدية الأميركية.
وانخفض السعر الفوري للذهب إلى نحو 4,567 دولارًا للأوقية، وهو أدنى مستوى له منذ 20 أغسطس، كما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للمعدن.
وجاء الهبوط بعدما أعاد رئيس الاحتياطي الفيدرالي "كيفن وورش" التضخم إلى صدارة اهتمامات المستثمرين خلال كلمته أمام منتدى "جاكسون هول"، مشيرًا إلى أن الفيدرالي لديه "عمل يجب القيام به" إذا لم يتحرك التضخم الأساسي بشكل مقنع نحو هدف البنك البالغ 2%، في إشارة إلى إمكانية تشديد السياسة النقدية إذا استمرت ضغوط الأسعار.
وأدت تصريحات "وورش" إلى تغير سريع في توقعات الأسواق، إذ ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى نحو 60%، مقارنة بنحو 40% قبل كلمته، بينما وصلت رهانات رفع الفائدة في ديسمبر إلى نحو 89%، وفقًا لرويترز.
ويشكل ارتفاع الفائدة ضغطًا على الذهب، الذي لا يدر عائدًا، إذ يصبح الاحتفاظ به أقل جاذبية مقارنة بأصول مثل سندات الخزانة الأميركية التي تقدم عائدًا.
وزاد الدولار من الضغوط بعدما ارتفع إلى أعلى مستوى له في أسبوع، فيما صعد عائد السندات الأميركية لأجل عامين إلى نحو 4.36%، وهو أعلى مستوى له خلال شهر، بعدما أعادت الأسواق تسعير احتمالات رفع الفائدة.
وتجعل قوة الدولار الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، بينما ترفع عوائد السندات تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن، ما يزيد جاذبية الأصول التي تقدم عائدًا.
ورغم استمرار الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران والمخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، لم تكن المخاطر الجيوسياسية كافية لدفع الذهب إلى الارتفاع.
وكان المعدن قد ارتفع خلال أغسطس بنحو 9% إلى قرابة 4,400 دولار بحلول منتصف الشهر، مع عودة المستثمرين والمؤسسات إلى الذهب بعد الصدمة الأولية للحرب.
وتشير هذه التحركات إلى أن التراجع الحالي قد يكون، إلى جانب تأثير الفائدة والدولار، إعادة تموضع في السوق بعد موجة صعود قوية، وليس بالضرورة تخلي المستثمرين عن الذهب باعتباره "ملاذًا آمنًا".
وتبقى حركة الذهب مرتبطة بتطورات التضخم والاقتصاد الأميركي خلال الفترة المقبلة. فإذا استمرت ضغوط الأسعار وبقي الاقتصاد متماسكًا بما يسمح للفيدرالي بمواصلة التشديد، فقد يواجه المعدن مزيدًا من الضغوط.
أما إذا ظهرت علامات واضحة على تباطؤ الاقتصاد أو سوق العمل، أو بدأ التضخم في التراجع، فقد تنقلب المعادلة ويستعيد الذهب دعمه مع تغير توقعات السياسة النقدية.
وبذلك، أصبحت حركة الذهب مرتبطة بأكثر من عامل في الوقت نفسه؛ فتصعيد الحرب يدعم المعدن، بينما تضغط توقعات ارتفاع الفائدة والدولار الأقوى وعوائد السندات على جاذبيته، لتصبح السياسة النقدية الأميركية حاليًا العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه الذهب.
