في أروقة مقر شرطة البلديات بمدينة غزة، لم يكن الموقف مجرد نوبة عمل عادية، بل كان اختباراً مفاجئاً بين أمانة أودعت في لحظة، وموت يتربص في اللحظة التالية.
بدأت القصة حين أحضر مواطنون طفلاً تائهاً إلى المقر أملاً في الوصول إلى عائلته، وهناك، تسلم الشرطي أيمن الشريف، الطفل من زميله، الشهيد عثمان أبو سمعان، وسط إصرار من زملائه على ضرورة حمايته وإبقائه في مكان آمن.
يستحضر الشرطي الشريف في حديث مع وكالة "صفا"، تلك اللحظات الأولى قائلاً: "استلمت طفلًا من الشهيد عثمان أبو سمعان داخل مبنى البلدية، بعدما أحضره مواطنون، وأصرّ عليّ التواجد دون أن أضعه مع أبنائي في الخيمة المجاورة لضمان سلامته."
كان من المفترض أن يستريح الشرطي قليلاً داخل المقر قبل المغادرة، لكن تململ الصغير ورغبته في الخروج غيّرا مجرى الأحداث كلياً.
يتابع الشرطي "أردت الجلوس قليلاً، لكن الطفل أراد الخروج، فقلت في نفسي سآخذه إلى الخيمة ليلعب مع أولادي، خرجت من الباب والطفل بيدي، ونحن في الممر على بعد خمسة أمتار فقط، تم استهداف المكان".
انتشال ومهام شرطية
في تلك اللحظة الخاطفة، تحول المقر إلى جحيم من الركام والحجارة المتطايرة والشهداء الأشلاء، جراء غارة إسرائيلية أسفرت عن استشهاد ثمانية مواطنين بين أفراد وضباط شرطة، من بينهم الشهيد "عثمان"، الذي سلم الطفل قبل دقائق.
وعن لحظة الانفجار الفاصلة، يصف الشرطي ردفة الفضل الإلهي قائلاً "من شدة تساقط الحجارة حضنت الطفل بكل قوتي لأحميه، وأخرجته بحمد الله، ثم أمنته عند ناس طيبين قرب المكان وهرعت فوراً للمساهمة في الإسعاف".
يستطرد بعبارة الحمد "لو تأخرنا خمس ثوانٍ فقط لكنا أنا والطفل من الشهداء."
لم تنتهِ الأمانة عند الخروج من تحت الركام، فبينما كان الشرطي ينهمك في انتشال زملائه وتقديم الإسعافات، كان قدر الطفل يبتسم له مجدداً.
يقول الشريف "انتهيت من الإسعاف، وأسرعت إلى الطفل في مأمنه بالخيمة، وتم التواصل مع أهله، واستلموه سالماً دون أن يصيبه أذى".
يختتم الشرطي حديثه بنبرة تحمل مزيجاً من حرقة الفقد ورضا الواجب: "رغم هول الموقف والصعوبة البالغة، كنت حريصاً جداً على سلامته، والحمد لله أنني حافظت على الأمانة ولم أتركه حتى سلم لأهله".
ويشدد بكلمات قوية من وقع الحدث الجلل "ليعلم الجميع أن الشرطة فى غزة كل عملها انسانى فى خدمة المواطنين".
