في وقتٍ يواجه فيه القطاع التعليمي في غزة واقعًا مأساويًا غير مسبوق جراء الحرب والعدوان الإسرائيلي المتواصل، تُقرع ناقوس الخطر تحذيراتٌ رسمية وتربوية صادرة عن وزارة التربية والتعليم من تداعي أحد أهم أعمدة المنظومة التعليمية، ألا وهو قطاع "الطفولة المبكرة"، الذي تعرض لضرر واسع وانهيار بنيوي هدد حق عشرات الآلاف من الأطفال في التأسيس المعرفي والتربوي السليم.
وتشير بيانات الإدارة العامة للتخطيط وتطوير الأداء المؤسسي بالوزارة إلى أنه قبل اندلاع الأزمة، وتحديداً وفق إحصاءات العام الدراسي 2022/2023، كان القطاع يضم 619 روضة أطفال تحتضن65,969 طفلاً وطفلة (موزعين بين 38,632 في مرحلة التمهيدي، و27,337 في مرحلة البستان).
واليوم، أسفر الخروج الجماعي والتام لعلامات هذه المرحلة عن الخدمة، وتعطل برامج التهيئية المدرسية، عن تجريف مدخل أساسي ومحوري من مداخل التعلم التراكمي لدى الناشئة.
من نقص التحصيل إلى أزمة بنيوية
ويرى مختصون تربويون في بيانات الوزارة كشفًا لإحدى أخطر مظاهر الانهيار التربوي الراهن، والمتمثلة في بروز كتلة واسعة من الأطفال دخلت المنظومة التعليمية والصفوف الأساسية الأولى دون المرور بـ "خبرة مدرسية" طبيعية ومتدرجة.
ولم تعد الخطورة تكمن في مجرد فقدان جزء من المحتوى الدراسي الذي يمكن تعويضه ببرامج عاجلة، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تمس عتبة التعلم ذاتها، إذ يصل آلاف الأطفال إلى المدارس والصفوف الأولى وهم يفتقرون للحد الأدنى من المهارات القبيلية والنمائية، مثل: التحكم بالقلم، ضبط حركة اليد، النسخ، التمييز البصري والسمعي، الوعي الصوتي، والقدرة على الربط بين الرمز والصوت لتركيب الكلمات والجمل البسيطة.
ويؤكد الخبراء أن غياب هذه المهارات الأساسية يضع المعلم أمام مهمة مضاعفة وشديدة التعقيد، حيث يتوجب عليه إعادة بناء الجدار التأسيسي من الصفر، وفي الوقت نفسه محاولة مواكبة متطلبات المنهاج والزمن الدراسي المتبقي وسط ظروف الاستجابة الطارئة.
تآكل المكتسبات المعرفية والخطر المستقبلي
ولا تتوقف حدود الكارثة عند عدم اكتساب المهارات في وقتها الفسيولوجي والتربوي الطبيعي، بل تمتد لتشمل تآكل المكتسبات الجزئية لدى الأطفال، فالطفل الذي لم يترسخ لديه الوعي بالحروف والرموز ولم يمارس القراءة داخل بيئة صفية مستقرة، يراكم تراجعاً تدريجياً يفقد معه القدرة على فهم الجمل والتعبير الكتابي.
كما تنحسر مهارات العد المبدئي، وتمييز الأعداد، والعمليات الذهنية البسيطة، لتتحول الفجوة من مجرد "أميّة وقتية" إلى "ضعف هيكلي" يمس البنية العقلية للطفل.
وتكتسب هذه الأزمة خطورة بالغة كونها تمس مرحلة عمرية لا تحتمل التأجيل، إذ إن اختلال التأسيس في بداية الطريق لا يظل محصورًا في الصفوف الأولى، بل ينتقل مع الطالب إلى المراحل المتقدمة في صورة ضعف مزمن في القراءة والكتابة، بطء في الفهم، تعثر في الرياضيات، وتراجع حاد في الثقة بالنفس والدافعية للتعلم.
وتأتي هذه المؤشرات التربوية الخطيرة في وقت تعيش فيه البيئة التعليمية بغزة حالة شلل كامل، حيث تؤكد التقارير الأممية والحقوقية أن أكثر من 90% من المباني المدرسية والجامعية تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، مما حرم نحو 800 ألف طالب وطالبة في مختلف المحافظات من حقهم في التعليم المنتظم، بينما تحولت المباني القليلة المتبقية إلى مراكز إيواء مكتظة بآلاف العائلات النازحة.
ولم يسلم الكادر البشري الذي يشكل العصب الرئيسي للعملية التعليمية من هذا الاستهداف، إذ تشير الإحصاءات الرسمية إلى استشهاد آلاف الطلبة، بالإضافة إلى أكثر من 800 معلم وكادر تربوي، وعشرات العلماء والأكاديميين والباحثين، ما أدى إلى تفريغ المؤسسات من طاقاتها الخبراتية وخلق بيئة محاطة بالمخاطر والصدمات النفسية الجسيمة للناجين.
أولوية قصوى للتعافي التربوي
وأمام هذا الواقع المعقد، تشدد وزارة التربية والتعليم والجهات الأكاديمية على أن معالجة ملف "الطفولة المبكرة" والتأسيس المعرفي لم تعد تحتمل التعاطي معها كـ "برامج تعويضية عابرة"، بل يجب إدراجها كأولوية مركزية قصوى في خطط التعافي التربوي الإغاثي.
ويتطلب هذا التحول البنيوي وفق مختصون تربويون تضافرًا دوليًا ومجتمعيًا عاجلًا يجاوز حدود الدعم الإغاثي التقليدي، عبر تدشين حاضنات تعليمية مؤقتة، وتوفير حقائب التأسيس النمائي، وإعادة تأهيل الكوادر التربوية للتعامل مع الفقد التعليمي المزدوج والمترتب عن الصدمات النفسية.
