القدس المحتلة - خاص صفا
تقف بلدة جبع شمال شرقي القدس المحتلة في مواجهة واقع مأساوي يزداد تضييقًا يومًا بعد آخر، وسط حصار يُقيّد حركة سكانها، ومستوطنات تتمدد، وأوامر استيلاء ومصادرة تلتهم مساحات واسعة من أراضيها، في مسعى لفرض واقع جديد يهدد الأرض والوجود الفلسطيني فيها.
ومؤخرًا، أصدرت قوات الاحتلال أمرًا عسكريًا يقضي بوضع اليد على 5 دونمات و283 مترًا مربعًا من أراضي جبع، بحجة استخدامها لـ"أغراض عسكرية"، في إجراء يضاف إلى سلسلة من أوامر المصادرة والاستيلاء التي تستهدف أراضي البلدة.
ويأتي هذا القرار ضمن مخطط لشق طريق استيطاني يمتد من شارع 60 قرب حاجز جبع وصولًا إلى جدار الفصل العنصري بمحاذاة مستوطنة "النبي يعقوب"، في خطوة تعزز عزل البلدة عن محيطها وتفرض وقائع جديدة على الأرض.
وتشكل أوامر وضع اليد العسكرية أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتوسيع شبكة الطرق المرتبطة بالمستوطنات، بما يعزز عزل التجمعات عن محيطها الجغرافي.
وبين المستوطنات والبؤر الاستيطانية والجدار، يجد أهالي جبع أنفسهم أمام معركة متواصلة للحفاظ على أرضهم ووجودهم، رغم تصاعد اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه بحقهم، واتساع رقعة الاستيطان.
هجمة إسرائيلية
رئيس مجلس قروي جبع طه بشارات يؤكد أن البلدة تتعرض لهجمة إسرائيلية متواصلة كباقي بلدات شمالي القدس، بهدف السيطرة على ما تبقى من أراضي المواطنين لصالح الاستيطان وشق الطرق الأمنية.
ويوضح بشارات في حديث لوكالة "صفا"، أن مساحة أراضي البلدة كانت تبلغ نحو 23 ألف دونم، ولم يتبقَّ منها سوى 2000 دونم، بينها 700 دونم فقط تُصنف بأنها مناطق "ب" والباقي يقع ضمن منطقة "ج".
ويشير إلى أن الاحتلال لم يتوقف عن هدم المنازل في البلدة، بل هدم مؤخرًا ثلاثة منها، فيما تلقّت ثلاثة منازل أخرى إخطارات بالهدم قبل نحو شهر ونصف، ولا تزال قضايا أصحابها منظورة أمام المحاكم الإسرائيلية.
ويضيف "قمنا ببناء منازل منذ عام 2010 و2015، لكن عندما تحدث مشاكل أو يريد الاحتلال الانتقام من الناس، يأتون ويبحثون عن أشخاص بنوا منازلهم، ويهددونهم بالهدم، بهدف تهجيرهم مم البلدة".
مصادرة الأراضي
ويتحدث بشارات عن مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني في البلدة، قائلًا إن المستوطنين أقاموا بؤرتين استيطانيتين جديدتين في منطقة "السهل"، وهي أراضٍ زراعية كانت تُزرع بأشجار الزيتون والحبوب، قبل أن تتحول إلى هدف للتوسع الاستيطاني.
ويتابع أن الاحتلال أصدر مؤخرًا أمرًا بوضع اليد على نحو ستة دونمات من أراضي البلدة، بهدف شق "شارعًا أمنيًا" يبدأ من حاجز جبع باتجاه مستوطنة "النبي يعقوب" وصولًا إلى الجدار.
ووفقًا لبشارات، فإن إقامة الطريق ستؤدي إلى خسارة أصحاب الأراضي لمساحات إضافية منها، فضلًا عن تأثيره على الأراضي المحيطة بمساره.
ولم تتوقف الاعتداءات عند ذلك، بل أقام مستوطنون بؤرة استيطانية رعوية جديدة قرب تجمع معازي جبع البدوي شمالي القدس، في إطار التوسع المتسارع للبؤر الرعوية، بهدف فرض السيطرة على الأراضي وعزل التجمعات البدوية وتهيئة الظروف لتهجيرها قسرًا.
وحسب محافظة القدس، فإن عدد البؤر الاستيطانية في المدينة المحتلة بلغ نحو 23 بؤرة، تتركز غالبيتها في الحزامين الشرقي والشمالي للمحافظة، مقابل وجود 37 تجمعًا بدويًا يقطنها أكثر من 7,000 مواطن، تواجه جميعها ضغوطًا متصاعدة تستهدف وجودها واستمراريتها.
حصار خانق
ولا تقتصر معاناة أهالي جبع على مصادرة الأراضي، بل يقول بشارات إن البلدة باتت محاصرة من جهاتها الأربع بالمستوطنات والجدار والمعسكرات والكسارات؛ فمن الشرق تحيط بها مستوطنة "آدم"، التي لا تبعد سوى نحو 500 متر عن البلدة، ومن الشمال متجر "رامي ليفي" والمنطقة المحيطة بها.
ويبين أن البلدة يُحاصرها الجدار من الجنوب، بينما تقع المعسكرات والكسارات في الجهة الغربية، ما يؤثر على حياة السكان ويقيد حركة تنقلهم، ويمنع امتدادهم عمرانيًا.
ويؤكد أن هذا الواقع حرّم البلدة من أي مجال للتوسع العمراني خارج المناطق المبنية، في وقت يتزايد فيه عدد سكانها، الذي يقدّر بنحو 4500 نسمة حتى عام 2023، ما يفاقم أزمة السكن ويضع مستقبل البلدة أمام مزيد من الضغوط.
وبالتوازي مع ذلك، تتواصل اعتداءات المستوطنين على سكان البلدة، ولا سيما التجمعات البدوية المحيطة بها، حيث أقيمت بؤر استيطانية جديدة في محيط أراضي البلدة، ما أدى إلى احتكاكات واعتداءات متكررة.
ويشير بشارات إلى أن الأهالي لجؤوا إلى محاكم الاحتلال لمواجهة إقامة هذه البؤر والعمل على إزالتها، موضحًا أن أحد المستوطنين أُخلي من المكان بقرار قضائي أكثر من مرة، لكنه كان يعود مجددًا، في ظل استمرار محاولات فرض الأمر الواقع على الأرض.
ويشدد على أن أهالي البلدة متشبثون بأراضيهم بالبقاء والصمود، رغم اعتداءات الاحتلال المتكررة وشق الطرق الاستيطانية، وهدم المنازل.
ر ش
