الخليل - خاص صفا
في خربة حمصة الواقعة غرب مدينة دورا جنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، يعيش السكان تحت تهديد دائم بالهدم والتهجير القسري، في ظل تصاعد اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه التي لا تتوقف، في محاولة لفرض واقع جديد يدفعهم إلى الرحيل قسرًا.
وتُعد خربة حمصة جزءًا من التجمعات القروية المحيطة بمنطقة الكوم، وتمتد على سلسلة جبلية تتوسط بلدات دير سامت وسوبا ومستوطنة "أدورا".
وتزخر المنطقة ببيوتها القديمة وكهوفها التاريخية، التي تشهد على عمق جذورها التاريخية وتراثها العريق، ما يمنحها قيمة حضارية وثقافية، إلى جانب أهميتها الجغرافية.
ونظرًا لأهمية موقعها الاستراتيجي، تشهد المنطقة خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا استيطانيًا متسارعًا، في إطار المخطط الإسرائيلي الرامي إلى إقامة مستوطنة جديدة في منطقتي حمصة والطروسة تحت اسم "ناحل دورون"، وهو المشروع الذي أعلن عنه وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش خلال زيارته للمنطقة مؤخرًا.
ويتمثل الهدف الاستراتيجي للمشروع، وفقًا لأهالي المنطقة، في إحكام السيطرة على المرتفعات المطلة على السهل الساحلي، وربط مستوطنتي "أدورا" و"نيجاهوت" عبر سلسلة جبال غرب الخليل، إلى جانب شق طريق استيطاني بديل لشارع 60، بما يفضي إلى إنشاء محور مواصلات جديد يربط بين الشارع 35 ومعبر ترقوميا وصولًا إلى معبر ميتار، ليصبح طريقًا رئيسيًا يخدم الكتلة الاستيطانية غربي الخليل.
وتشنّ سلطات الاحتلال حملة واسعة للاستيلاء على الأراضي وتجريفها، إذ استهدفت آلاف الدونمات في خربة حِمصة ومحيطها، ضمن مخطط يهدف إلى التوسع الاستيطاني وإقامة بؤرة استيطانية جديدة في المنطقة.
ومؤخرًا، استولت قوات الاحتلال على منازل قديمة وكهوف سكنية تعود لمواطنين فلسطينيين في حمصة، وعمدت إلى تصنيفها كـ"مواقع أثرية إسرائيلية" بهدف شرعنة السيطرة عليها وتغيير هوية الأرض.
وفي عام 1982، حصل أهالي حمصة على قرار يقضي بإعادة الأراضي لأصحابها، إلا أن القرار جاء بصيغة مبهمة تنص على أن الأراضي المزروعة تعود لمالكيها، بينما تُعتبر الأراضي الصخرية "أملاك دولة"، وقد تقدم الأهالي آنذاك باعتراضات أدت إلى تجميد القرار.
وفي عامي 2007–2008، أعادت سلطات الاحتلال إعلان مساحات واسعة من أراضي المنطقة كـ"أملاك دولة" بصورة أحادية، دون إبلاغ فعلي للأهالي، الأمر الذي حال دون ممارسة حقهم الكامل في الاعتراض.
ومع بدء شق الطريق الاستيطاني الجديد في حمصة، تحرك الأهالي للدفاع عن أراضيهم، وتمكنوا من وقف أعمال الحفر لمدة تقارب أسبوعًا، قبل أن تنتقل الجرافات إلى منطقة الطروسة.
وفي تطور جديد قبل أسابيع، فوجئ السكان بإصدار قرار وضع اليد وإعلان نحو 20 دونمًا من أراضي حمصة منطقة أثرية، ما يعني إخضاعها لسيطرة الاحتلال ومنع أصحابها من التصرف بها.
تصاعد غير مسبوق
منسق حملة التضامن مع خربة حمصة عبد الله الرجوب يقول إن حمصة شهدت في الفترة الأخيرة تصاعدًا غير مسبوق في اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه، بدءًا بشق طريق استيطاني وتجريف أراضي المواطنين وصولًا لقطع أشجار زراعية معمرة والاعتداء على السكان.
ويوضح الرجوب في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن الاعتداءات لم تتوقف عند ذلك، بل شملت الجولات الاستكشافية الاستفزازية لبعض المستوطنين بين ممتلكات المواطنين لإجبارهم على وقف العمل وتهديدهم إما بالوقف الفوري أو الهدم.
ويتخوف السكان، وفقًا للرجوب، من أن تشهد المنطقة اعتداءات استيطانية أشد خطورة بحقهم، كما يجري في جميع مناطق الضفة، من مواجهات وحرق منازل، ومساجد ونهب مواشي وغيرها من الممارسات.
ويشير إلى أن اعتداءات المستوطنين الأخيرة تسبّبت بوقف عمل عدد من المشاريع الاستثمارية في المنطقة، ووقف محطة الطاقة الشمسية، ومحطة تعبئة غاز المنازل، وسط تهديد مستمر لمنشآت أخرى.
ويضيف أن أراضي خربة حمصة تشهد أعمالًا متواصلة لتوسعة وشق طرق استيطانية جديدة، تهدف إلى ربط المستوطنات القائمة بالبؤر الاستيطانية المستحدثة، على حساب أراضٍ زراعية فلسطينية خاصة، ما يشكل اعتداءً مباشرًا على الملكية الخاصة ويهدد بفقدان المزيد من الأراضي الزراعية وتقييد وصول أصحابها إليها.
تقليص الوجود
ويواجه عدد من المواطنين في المنطقة خطر الهدم والتهجير القسري، بعدما أخطرتهم سلطات الاحتلال مؤخرًا، بضرورة إخلائها خلال الأيام القليلة المقبلة.
ويبين الرجوب أن هذه المخططات والإجراءات تهدف إلى اقتلاع أهالي حمصة من أراضيهم، بهدف تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي في المنطقة، وتقليص الوجود الفلسطيني، وتوسيع نطاق السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحيطة، بما يخدم مشاريع التوسع الاستيطاني غرب الخليل.
ورغم تصاعد اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، إلا أن أهالي خربة حمصة يتمسكون بأرضهم ويرفضون مغادرتها، مؤكدين أن مواصلة زراعتها وحمايتها تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة مخططات التهجير والتوسع الاستيطاني، وأن صمودهم سيبقى الخيار الذي لا بديل عنه مهما اشتدت الضغوط.
ويوجه الرجوب رسالة إلى المنظمات الحقوقية الدولية، قائلًا : "في ظل ما نتعرض له من إجراءات تهدد وجودنا على أرضنا، والتي تتمثل في شق طرق استيطانية داخل أراضٍ فلسطينية خاصة، وقطع الأشجار المعمرة، وتوزيع إخطارات بالهدم والإخلاء، إلى جانب تصاعد المخاوف من اعتداءات قد تطال السكان وممتلكاتهم، نطالبكم بالتدخل العاجل لوقف هذه المخططات".
ويتابع "تمسكنا بأرضنا حق مشروع، وسنواصل صمودنا رغم الظروف الصعبة، لكننا بحاجة إلى حضوركم ومتابعتكم الميدانية وتوثيق ما يجري، والعمل على حماية المدنيين، والضغط لوقف جميع الإجراءات التي تستهدف اقتلاعنا من أرضنا".
ويؤكد أن صمت العالم أمام هذه الانتهاكات يُشجع على استمرارها، مناشدًا المجتمع الدولي والمنظمات الدولية بتحمل مسؤولياتهم القانونية والإنسانية لإيصال صوت أهالي حمصة إلى كل المحافل الدولية، والعمل الجاد من أجل حماية حقوق الإنسان، وصون حق السكان في العيش بأمن وكرامة على أرضهم.






ر ش
