في أرضٍ أصبح يُقاس فيها بقاء الإنسان بمدى قدرته على التعايش مع آثار القذائف، لم تعد معاناة من بُتروا في حرب الإبادة بغزة، تنتهي بانسحاب الآليات أو خمود صهيل هذه القذائف.
وتتواصل مأساة الآلاف من المبتورين، التي بدأت فعلياً من اللحظة التي يُتركون فيها، ليواجهوا واقعاً ينهك أجسادهم.
وبعد عامين ونصف من الفتك المستمر، تشتد رحلة هؤلاء، إيلاماً، تجتمع فيها مرارة العجز الصامت مع جحيم الجوع وانعدام الدواء.
مسؤولية وغياب الدعم
وفي حكاية الشاب صابر الأشقر، الصورة الأشد تكثيفاً لهذا الصمود الممزوج بالوجع، فصابر الذي فقد قدميه بالكامل، يرفض أن يستسلم لحالة العجز التي فرضتها عليه الشظايا.
بين أزقة المخيمات المتهالكة وتحت وطأة الركام الذي يملأ الشوارع، ينطلق بكرسيه المتحرك مشدود العزيمة، قابضاً بكلتا يديه على عبوتي ماء، ليخوض رحلة يومية مضنية.
يقول "لا علاج لي ولا جهة تقدم أطراف صناعية، ولا دعم نفسي".
يضيف لوكالة "صفا"، أنه رغم بتر نصف جسده، لا يستطيع المكوث في الخيمة، بسبب إصراره على توفير شربة ماء تسد رمق أطفاله المنتظرين داخلها".
ولا يعتبر صابر نفسه مجرد جريح، بل نموذج لأب يستخرج الحياة من قلب الموت، مبرهناً أن مسؤولية الأبوة أقوى من أي عجز جسدي.
الشاب الجريح محمد حبوب، الذي ينخر البلاتين عظمه، يرقد في المستشفى، بعد إصابته للمرة الثاني بقصف الاحتلال، بعد أن فقد أجزاءً من أطرافه في القدم واليد.
ولم تكتفِ الإصابة بتشويه جسده، بل جاء الجوع القاتل لينهك ما تبقى من رمقه.
يقول لوكالة "صفا"، "كل شيء معدوم، الغذاء المناسب لحالتي، والمستلزمات الطبية التي قد توقف عني خطر التهاب الجرح، ولا غيره".
وفي بيت لاهيا شمالي القطاع، يصحو الطفل محمد صليح، صاحب الأربعة عشر عاماً، على واقع جديد بُترت فيه إحدى قدميه، لتتوقف معها أحلام طفل كان كل أمله أن يركض ويطارد كرته في حارته.
بينما يتمدد قسرًا الجريح ضياء إسماعيل، على فراش المشفى الأشهب، شاخصاً ببصره نحو سقف الغرفة، ولا أمنية لديه تتجاوز الحصول على تحويل طبية عاجلة للعلاج خارج القطاع، علّها تكون بداية الطريق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
حالات كبيرة وعجز تام
وتنسج هذه الحالات، المأساة الكبرى التي تعكسها بيانات وزارة الصحة في غزة، والتي تؤكد لوكالة "صفا"، تسجيل أكثر من 11,000 حالة بتر ناتجة عن الإصابات المباشرة بالقصف.
وذكرت الصحة أن أكثر من 4,000 حالة في صفوف الأطفال الذين باتوا يواجهون الحياة بأطراف مفقودة ودون أي أمل قريب في الحصول على أطراف صناعية أو عمليات تأهيلية.
وتشي التقارير الصحية إلى أن القطاع المنهك يفتقر لأكثر من 80% من المستلزمات الجراحية وأدوية التخدير والمطهرات الأساسية، ما أدى إلى تحول جراح صغار وكبار المبتورين إلى بؤر للالتهابات الحادة والجراثيم المقاومة للمضادات.
فضلاً عن ذلك، فإن سوء التغذية الحاد الذي يطال أكثر من 90% من الجرحى، يعطل تماثل الأنسجة للشفاء ويجعل من البلاتين والحديد الغائر في أجسادهم مصدراً للآلام المبرحة المستمرة، وفق التقارير.
وتشدد الوزارة على حاجة المئات من حالات البتر للعلاج بالخارج وتوفير الأطراف الصناعية للكثير منهم، وهو ما لا تستطع المنظومة الطبية فعل شيء أمامه، بسبب الحصار والأعداد الكبيرة من هذه الضحايا.
