تحت لهيب تموز المحرق، يقف "كرم"، بقوامه النحيل فوق رمال المواصي، محتضناً حاوية أكياس المياه المثلجة، يمسح بكفه الناعمة، عرق جبينه الذي أحرقته الشمس، وينادي على العابرين بنبرة لاهثة وراء شواكل معدودة.
لقد تحول كيس الماء في يده الصغيرة، إلى المرساة الأخيرة لانتشال خيمة عائلته من قاع العوز.
رمال مواصي خانيونس الملتهبة، تتحول في فصل الصيف إلى امتداد شاسع لخطوط مواجهة من نوع آخر، حيث لم تعد براءة الأطفال سوى ذكرى مؤجلة في قطاع غزة.
وفي أشعة الشمس الحارقة، يغيب أي أثر لبرامج الصيف الترفيهية أو المساحات الآمنة التي تكفل لهؤلاء الصغار حقهم الإنساني البديهي في اللعب والترويح عن النفس.
وبدلاً من ارتياد المخيمات الصيفية والنوادي، بات مئات الأطفال يقطعون كيلومترات طويلة مشياً على الأقدام طوال النهار لبيع أكياس المياه الباردة والشراب المحلي، في محاولة لتوفير دخل رمزي يعيل عائلاتهم التي سحقتها الأوضاع القاتمة داخل الخيام.
معاناة مكتوبة بعرق الصغار
في عمق هذا المشهد، يقف كرم الدغمة، ذو الأعوام التسعة، يدور برأسه المكشوف، حاملًا حاوية بلاستيكية زرقاء، تحتوي على بضعة أكياس من المياه المثلجة.
وفي لحظة ينهض لأحد العطشى المشترين، يركز في شاشة الهاتف المحمول للزبون، وهو يحول له ثمن كيس الماء عبر محفظة إلكترونية.
"الكيس بشيكل، والبيع كاش أو تطبيق"، يقول هذا الطفل الذي أصبح يقرأ إشعارات الحسابات وتأكيد عمليات الدفع الإلكتروني بمهارة تفوق الكبار، حرصًا على وصول قوت يوم أسرته.
ولم يعد غريباً أن يُرى أطفال، لم تتجاوز أعمارهم العاشرة، وهم يتحدثون بلغة الباعة، ملمين بتفاصيل المهنة، في بقعة نزوح مكتظة بالفقراء.
ويشكل غياب التعليم النظامي والبرامج الترفيهية البديلة عاملًا، لا يسرق من أطفال غزة سنواتهم الدراسية فحسب، بل دفعهم مرغمين إلى معترك المسؤوليات المادية المبكرة، ليصبح الطفل تائهاً بين أرقام الحسابات ولهيب الشمس.
الطفل أحمد تيم "10 سنوات"، يقطع الرمال بين الخيام، بنداءاته الرتيبة لبيع عصير محلي الصنع، وهو يجر قدميه فوق التراب الساخن منذ ساعات الفجر الأولى وحتى مغيب الشمس.
يقول لوكالة "صفا"، متنازلًا عن طفولته قسرًا "الرزق محتاج تعب، والشراب أفضل شيء أبيعه في هذا الوقت".
تنعكس ألوان العصير الزاهية على وجه أحمد الشاحب الذي غطته حروق الشمس، معبراً بنبرة تائهة عن أمنيته البسيطة، بالقول "ياريت يخلصوا الأكياس وأرجع على الخيمة".
سارة عليان، التي لم تتجاوز الاثني عشر عاماً، تجسد مأساة جيل كامل تحول من مقاعد الدراسة إلى شوارع النزوح القاسية.
تقول وهي تحاول إخفاء ثلاثة من الشواكل، ابتلت عرقًا من يدها، "البيع قليل في الصبح، العصر يشتري الصغار أكثر"، متناسية أنها منهم.
يواجه معركة البقاء المبكر
وتأتي هذه الظاهرة المأساوية كناتج طبيعي للكارثة التعليمية التي ضربت قطاع غزة، وحرمت الآلاف من التعليم والترفيه.
وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة حديثاً، عن الجهات الحكومية والأممية إلى أن نحو 625 ألف طالب وطالبة حُرموا بشكل كامل من التعليم النظامي، واضطروا للخروج من المدارس نتيجة لتدمير البنى التحتية والمباني التعليمية بشكل كامل، أو تحويلها إلى مراكز إيواء.
وتشكل هذه الأرقام خلفية قاتمة لواقع الطفولة في غزة، حيث تحول الجيل الذي كان يُفترض به أن يبني المستقبل إلى عمالة قسرية تدور في فلك البحث عن البقاء اليومي.
