القدس المحتلة - خاص صفا
لم يكتف الاحتلال الإسرائيلي بتحويل مطار القدس الدولي، أو ما يعرف بـ"مطار قلنديا"، إلى أحياء ووحدات استيطانية بل وضع حجر الأساس لما يُسمى "مركز التراث" داخل مبنى الاستقبال بالمطار، في خطوة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل هوية القدس، وصياغة الرواية والذاكرة التاريخية للمكان وفق السردية الإسرائيلية.
وبمشاركة وزير التراث الإسرائيلي عاميحاي إلياهو، ورئيس بلدية الاحتلال في القدس موشيه ليون، وضع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حجر الأساس لإقامة "مركز التراث" على أرض المطار التاريخي الواقع شمالي القدس المحتلة.
ويعتبر مطار القدس الأقدم في فلسطين، قبل أن تسيطر عليه سلطات الاحتلال، وتحوّله إلى مطار لأغراض سياحية وتجارية، حتى أغلقته نهائيًا بعد اندلاع "انتفاضة الأقصى" عام 2000.
وأنشأ المطار عام 1920 في ظل الانتداب البريطاني على أرض مساحتها 650 دونمًا، ومع انضمام الضفة الغربية المحتلة في أوائل الخمسينات إلى المملكة الأردنية الهاشمية وُضع تحت الحكم الأردني، والذي أعاد تأهيله للاستخدام المدني.
وبعد احتلال "إسرائيل" للضفة وشرقي القدس عام 1967، استولت على المطار، وضمته إليها عام 1981 بموجب "قانون القدس"، واستخدمته الخطوط الجوية الإسرائيلية للرحلات التجارية والداخلية من وإلى القدس، حتى أغلقته عام 2000، وتحوّل إلى موقع مهجور بقي مبناه قائمًا حتى اليوم.
ويأتي هذا المشروع ضمن حزمة قرارات اتخذتها حكومة الاحتلال في 17 أيار/مايو الماضي بمناسبة ما يسمى "يوم القدس"، والتي تستهدف توسيع وتعميق المشروع الاستيطاني داخل المدينة، وإعادة هندسة واقعها السياسي والديمغرافي.
خطوة ممنهجة
الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب يقول إن منطقة عطروت، التي يقع فيها مطار القدس تُعد من أبرز المعالم الفلسطينية التاريخية، إذ أُنشئ المطار في فترة الانتداب البريطاني واستمر عمله خلال فترة الإدارة الأردنية، وما يزال مبناه القديم قائمًا، باعتباره شاهدًا على هذه المرحلة.
ويوضح أبو دياب في حديث خاص لوكالة "صفا"، أن تدشين نتنياهو ما يُسمى بـ"مركز تراث عطروت" يمثل خطوة ممنهجة تهدف إلى الترويج للرواية اليهودية، ومحو الرمزية الفلسطينية للمكان، وإلغاء ارتباطه التاريخي بالهوية الفلسطينية.
وحسب المخطط، يضم المركز معارض تُعنى بتاريخ الطيران في القدس والمنطقة، إلى جانب معارض أخرى تتناول "تاريخ الاستيطان" في شمالي القدس، فضلًا عن مساحات تعليمية وثقافية مخصصة للزوار، بما يعيد توظيف المبنى التاريخي ضمن مشروع سردي جديد.
ويضيف أبو دياب أن المشروع لا يقتصر على إقامة المركز التراثي، بل يأتي ضمن مخطط أوسع يشمل بناء نحو 9 آلاف وحدة استيطانية في المنطقة، واستقدام آلاف المستوطنين للسكن فيها، بما يُسهم في تغيير الطابع الديمغرافي للمكان وطمس هويته.
ويشير إلى أن تحويل مطار القدس إلى ما يُسمى بـ"مركز تراث يهودي" يهدف إلى ربط الاحتلال بالمكان وإلغاء السيادة الفلسطينية عليه، فضلًا عن تغيير هوية المنطقة وواقعها التاريخي.
ووفقًا للباحث المقدسي، فإن الاحتلال يسعى، من خلال إقامة المراكز السياحية والتراثية والتعليمية، إلى مسح الثقافة والتاريخ والدلائل على أن هذه المناطق كانت فلسطينية، بما يتلاءم مع أجنداته ومخططاته.
ويؤكد أن إقامة "مركز التراث" من شأنه تهويد المنطقة بالكامل، وإعادة تشكيل هوية القدس السياسية والتاريخية والدينية، في ظل الدعم الرسمي الذي تقدمه الحكومة اليمينية المتطرفة لهذه المشاريع التهويدية في القدس.
تهويد وطمس للهوية
وأما المختص في شؤون القدس راسم عبيدات فيقول إن إقامة "مركز التراث" في منطقة مطار القدس، يؤكد أن هناك عملية تهويد ممنهجة تجري في المدينة المحتلة، تقوم على إعادة هندسة جغرافيتها وديمغرافيتها، إلى جانب استهداف تاريخها وهويتها العربية والإسلامية.
ويرى عبيدات في حديث لوكالة "صفا"، أن هذا المشروع يُشكل اعتداءً صارخًا على الحق السيادي الفلسطيني، باعتبار أن المطار يُفترض أن يكون جزءًا من الدولة الفلسطينية المستقبلية.
ويوضح أن مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس بلدية الاحتلال في تدشين هذا المركز تؤكد أن المشروع يتجاوز مجرد إقامة منشأة جديدة، ليشكل جزءًا من مخطط متكامل لفرض وقائع تهويدية في المدينة.
ووفقًا لعبيدات، فإن المشروع لا يقتصر على إقامة نحو 9 آلاف وحدة استيطانية على أراضي المطار، بل يشمل أيضًا إنشاء مركز لمعالجة النفايات الصلبة، وهو ما يرافقه الاستيلاء على أراضٍ زراعية وهدم عدد من منازل الفلسطينيين وبالتالي تهجيرهم.
ويضيف أن "المخطط يتضمن إقامة أجنحة ومرافق لتخليد شخصيات إسرائيلية، إلى جانب إنشاء مقر لوزارة الأمن الإسرائيلية، ومتحف لجيش الاحتلال، ومركز للتجنيد".
ويؤكد أن ما يجري في القدس يُمثل مشروعًا متكاملًا يستهدف تكريس الاستيطان والتهويد، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وطمس المعالم.
ر ش
