حذر مشاركون في لقاء حواري نظمه المركز الفلسطيني للدراسات السياسية بغزة بالتعاون مع نقابة الموظفين في القطاع العام، من استمرار حالة الفراغ الإداري في القطاع وتداعياتها المتصاعدة على الخدمات الأساسية والموظفين والقطاعات الحيوية، في ظل الحرب المستمرة وتعطل مسار الانتقال الإداري وغياب الجهة القادرة على إدارة الشأن العام بشكل فعّال.
وقال مركز الدراسات إن اللقاء الذي عقد في 30 يونيو الماضي جاء بعنوان: "تداعيات حالة الفراغ الإداري وغياب اللجنة الإدارية بغزة على الموظفين وجودة الخدمات"، بمشاركة ممثلين عن وزارات ومؤسسات حكومية ونقابات وقطاعات مهنية ومجتمعية، وأدار اللقاء الصحفي أيمن دلول.
وأكد المشاركون، وفق المركز، أن استمرار غياب جهة إدارية فاعلة في قطاع غزة أدى إلى تعميق الأزمة المركبة في إدارة الخدمات العامة، ما انعكس سلبًا على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها الصحة، والحكم المحلي، والإغاثة، والبنية التحتية، إضافة إلى أوضاع الموظفين والشرائح الاجتماعية المختلفة.
وأوضح المركز أن المشاركين أشاروا إلى أن استمرار الحرب وتآكل البنية المؤسسية في ظل غياب إدارة انتقالية فاعلة يعمّق ما وصفوه بـ"الفجوة السلطوية"، حيث تتراجع قدرة المؤسسات القائمة على الاستجابة، دون وجود إطار إداري شامل قادر على تنظيم المرحلة أو قيادة جهود التعافي وإعادة الإعمار.
من جهته، لفت رامي خريس، مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، أن التطورات الأخيرة تؤكد صحة فرضية "الفجوة السلطوية" التي تناولتها ورقة بحثية سابقة للمركز، مشيرًا إلى أن اللجنة الوطنية، رغم تشكيلها، ما زالت خارج قطاع غزة ولم تباشر مهامها التنفيذية، ما أبقى إدارة المرحلة في حالة فراغ انتقالي معقّد.
وبيّن أن هذا الوضع يعطل جهود الإعمار ويُبقي التدخلات في إطار الإغاثة الطارئة دون انتقال فعلي إلى التعافي، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد إنسانية فقط بل باتت أزمة حوكمة وإدارة.
وأشار نائب نقيب الموظفين بالإنابة خليل حمادة إلى إن نحو 50 ألف موظف حكومي يعيشون أوضاعًا معيشية صعبة نتيجة حصولهم على فتات من الرواتب، مشيرًا إلى أن هؤلاء يعيلون ما يقارب 400 إلى 500 ألف مواطن بشكل مباشر وغير مباشر. وأضاف أن حالة الفراغ الإداري ساهمت في تعميق هشاشة أوضاع الموظفين وتركهم في حالة من عدم الاستقرار المعيشي والوظيفي.
من جانبه، قال الخبير في شؤون الإعمار ناجي سرحان إن حجم الدمار في قطاع غزة غير مسبوق، حيث بلغت الخسائر المباشرة نحو 37 مليار دولار، وغير المباشرة 22.7 مليار دولار، مشيرًا إلى تدمير واسع طال البنية السكنية والخدمات الأساسية وشبكات البنية التحتية.
وتابع أن غياب الجهة القادرة على إدارة ملف الإعمار يفاقم التعطيل ويحول دون الانتقال من الإغاثة إلى التعافي، في ظل استمرار تراكم الركام وتعطل الخدمات الأساسية.
أما وكيل وزارة التنمية الاجتماعية في غزة، رياض البيطار، فلفت إلى إن الواقع الإنساني في القطاع يعكس حجمًا كبيرًا من التحديات المرتبطة بقدرة المنظومة الإدارية والخدمية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان، في ظل استمرار الحرب وتعطل العديد من أدوات العمل المؤسسي.
من جهته، أكد مدير عام الحكم المحلي ياسر حسونة أن قطاع الحكم المحلي يشكل ركيزة أساسية في ضمان استمرار الخدمات وصمود المواطنين، رغم التحديات المتفاقمة التي تواجهها البلديات والمؤسسات المحلية، خاصة في مجالات المياه والنظافة وإدارة النفايات، نتيجة تدهور البنية الخدمية واستمرار الحرب.
بدوره، أشار نقيب المهن الطبية محمد داود إلى أن هناك مجموعة من التوصيات والمقترحات لمعالجة تداعيات الحرب على القطاع الصحي والمجتمع، جرى رفعها للجهات المختصة، على أن تُستكمل في ورقة عمل شاملة تُقدَّم لصناع القرار، بهدف تعزيز الاستجابة وتحسين الواقع الإنساني والخدمي.
وأوضح مركز الدراسات أن المشاركين دعوا إلى ضرورة بلورة رؤية وطنية فلسطينية موحدة لإدارة المرحلة، تقوم على إنهاء حالة الانقسام الإداري وتفعيل أو استكمال الأطر الانتقالية القادرة على إدارة القطاع، بما يضمن استعادة عمل المؤسسات العامة.
وأوصوا بضرورة وضع استراتيجية وطنية شاملة لإعادة الإعمار، وتعزيز دور النقابات والمؤسسات المدنية ومراكز البحث في دعم صناعة القرار، إلى جانب توفير بيئة مناسبة لعمل المؤسسات الإنسانية والدولية.
وشددوا على أهمية ضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود، وتطوير آليات إدارة موحدة للبيانات والخدمات، بما يضمن عدالة التوزيع ورفع كفاءة الاستجابة.
ولفت المركز إلى أنه شارك في اللقاء كل من زاهر الوحيدي نائب مدير عام المعلومات بوزارة الصحة، علاء الدين العكلوك رئيس التجمع الوطني للعشائر، آية عقل مستشار قانوني في وزارة العدل، ناهض شحيبر رئيس نقابة النقل الخاص، محمد المغير من الدفاع المدني وحسام الحويطي رئيس الغرفة التجارية.
وختم مركز الدراسات بأن اللقاء أكد أن استمرار الفراغ الإداري في قطاع غزة ينذر بمزيد من التدهور في مختلف القطاعات، ويعمّق ما وصفه المشاركون بـ"الفجوة السلطوية"، ما يتطلب تحركًا وطنيًا عاجلًا لإعادة بناء المنظومة الإدارية، وتمكين إدارة انتقالية فاعلة، وفتح مسار جاد للتعافي وإعادة الإعمار، بما يحفظ صمود المواطنين ويخفف من حدة الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
