لم تعد الهوية الشخصية هي الوثيقة الوحيدة التي يحملها الغزيون لتحديد أسمائهم، فـ"دفتر سوء التغذية" أصبح وثيقة رسمية تختزل رحلة أجسادهم في مقاومة الموت جراء الجوع والمرض.
تحمل الشابة آية محسن (24 عامًا) وطفلتها "علا" التي لم تكمل عامها الأول، هذا الدفتر، كشاهد على تفاصيل يومية قاسية يتداخل فيها الجوع مع المرض العضال.
وتتحدث آية لوكالة "صفا" بإنهاك واضح بسبب سوء التغذية الذي تعيشه منذ موجة المجاعة، ولم تتحسن أوضاعها، رغم تدفق المواد الغذائية، وإن كان بشكل بطيء، منذ وقف إطلاق النار.
تقول: "أنا وبنتي نعاني من سوء تغذية، بنتي عمرها سنة ووزنها 7 كيلوغرامات، والمفروض أن يكون 14 أو 15 كيلوغرامًا كحد أدنى بالمعدل الطبيعي لوزنها".
وتضيف "هذا النصف وزن المفقود يسبب مضاعفات لها"، في وقت تعجز فيه هذه الأم التي تحاول دون جدوى إنقاذها.
"أخذنا مكملات غذائية وبعض المدعمات من مستشفى العودة الذي أراجع فيه، لكن البنت غير مقبلة عليه، حاولت كثيرًا أن أطعمها منه لكن دون فائدة"، تتابع آية.
اجتماعها مع المرض
وإلى جانب الحرب والتجويع، يلاحق جسد الأم آية مرض السرطان، الذي تسبب بإنقاص وزنها بشكل حاد، لتصارع خطرًا آخر يهدد حياتها.
وتقول: "كان وزني يصل إلى 71 كيلوغرامًا، والآن وزني 48 كيلوغرامًا"، مبينة بنبرة مثقلة بالوجع: "أنا أيضًا عندي سوء تغذية، وأصبت بمرض السرطان وانتشر في جسمي".
وللأم تحويلة للعلاج في الخارج، وتقول: "اتصلت بي وزارة الصحة مرة، وأنتظر أن أسافر للعلاج مع ابنتي إلى جمهورية مصر".
وتتسع دائرة العجز في عائلة آية، لتشمل زوجها المصاب الذي أقعدته الحرب عن العمل.
وتقول: "زوجي مصاب في ظهره وكاد أن يصاب بالشلل".
ويمنع الوضع المادي السيئ للأسرة من توفيرها الغذاء اللازم لمواجهة سوء التغذية والمرض، بالإضافة إلى ثقل هموم مرض الأم، التي تحتاج إلى أدوية بـ1200 شيكل شهريًا، حسبها.
دور الخيام وبيئتها
ورغم تراجع حدة المجاعة بعد ألف يوم من الحرب، إلا أن الواقع داخل الخيام يزداد تدهورًا، حيث تؤكد آية: "لدينا دفتر سوء تغذية، وحالتنا ساءت رغم أن موجة المجاعة خفّت في غزة".
الأوضاع القاسية، والخيام، والحمل داخلها وفي الحرب، مضافًا إليها مرض السرطان، كلها تراكمات تزيد من حالة الأسرة سوءًا، دون تحسن.
وتعكس آية وطفلتها واقعًا مأساويًا تؤكده آخر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، حيث أدت سياسة التجويع الممنهجة إلى استشهاد نحو 34 طفلًا بشكل مباشر نتيجة سوء التغذية والجفاف الحاد، فيما يواجه أكثر من 3,500 طفل خطر الموت المباشر نتيجة نقص الحليب والمكملات الغذائية جراء إغلاق المعابر.
وتُحذر التقارير الأممية الصادرة عن "اليونيسف" ومنظمة الصحة العالمية من كارثة، في ظل تسجيل ما يزيد عن 50,000 طفل في قطاع غزة يعانون حاليًا من سوء التغذية الحاد.
وبالرغم من التحسن غير الملموس كثيرًا في دخول المواد الغذائية، إلا أن الآلاف من العائلات في غزة تعجز عن تأمين الحد الأدنى من السعرات الحرارية، اللازمة لإنقاذ حياة أطفالهم من موجات الجوع.
