على قمة صخرية شاهقة ترتفع أكثر من 700 متر عن سطح البحر، تقف قلعة الشقيف، أو ما يُعرف تاريخياً بقلعة "بوفور"، كحارس تاريخي يطل على جبال وعرة ووديان سحيقة في جنوب لبنان.
لم تكن هذه القلعة يوماً مجرد معلم سياحي أو إرث أثري يرتاده الهواة، بل شكلت على مر العقود والقرون نقطة الارتكاز العسكرية الأهم في المنطقة، وعقدة جغرافية تحكمت بمصائر معارك كبرى في الصراع العربي الإسرائيلي.
ويأتي التركيز على هذه القلعة بعدما أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الأحد، إحكام سيطرته عليها، في خطوة تعكس تحولا ميدانيا لافتا في مسار العمليات جنوب لبنان.
وأوضح جيش الاحتلال أن السيطرة على الموقع جاءت عقب اشتباكات ميدانية، مدعومة بغطاء ناري مكثف من القوات البرية والجوية، فيما نشر صورا لجنوده قرب القلعة الأثرية العائدة إلى زمن الحملات الصليبية، والتي سبق أن حذّر وزير الثقافة اللبناني من خطر تعرضها لقصف مباشر.
ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على الأهمية الجيوسياسية والعسكرية لقلعة الشقيف، التي طالما شكّلت نقطة ارتكاز حساسة في جنوب لبنان، حيث قال وزير الحرب الإسرائيلي "يسرائيل كاتس" فور سيطرة الجيش على القلعة "هذه رسالة واضحة لأعدائنا أنهم سيخسرون مواقعهم الإستراتيجية واحدا تلو الآخر".
أهمية استراتيجية فائقة
وتكتسب القلعة أهميتها الاستراتيجية الفائقة من موقعها الدقيق الذي يقع على بعد كيلومتر واحد فقط من بلدة أرنون في قضاء النبطية، حيث تتربع فوق شير صخري شاهق يشرف مباشرة على مجرى نهر الليطاني وسهل مرجعيون الممتد.
هذا الارتفاع الاستثنائي يمنح القلعة مدى بصرياً ونارياً هائلاً، إذ تكشف جغرافياً كامل منطقة النبطية ومحور الخردلي، وتتيح رؤية واضحة ومباشرة للمناطق الحدودية وصولاً إلى شمال فلسطين المحتلة التي تبعد عنها كيلومترات قليلة، مما يعطي الطرف المسيطر عليها قدرة تكتيكية فائقة على الرصد البصري، وتوجيه النيران الإسنادية، وقطع خطوط إمداد الخصوم في الوديان المحيطة بها.
وارتبط اسم القلعة بمحطات دامية ومفصلية في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، بدأت في سبعينيات القرن الماضي عندما اتخذتها المقاومة الفلسطينية مقراً عسكرياً محصناً لرصد تحركات الاحتلال وضبط المحاور المحيطة.
ملحمة المقاومة الفلسطينية
وخلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، شهدت القلعة ملحمة صمود تاريخية عندما طوّقها جيش الاحتلال، فتحصنت داخل مغاور وأنفاق تاريخية مجموعة صغيرة من الفدائيين الذين خاضوا مواجهة شرسة وضارية ضد لواء غولاني الإسرائيلي، ورفضوا الاستسلام حتى رمقهم الأخير.
وبعد إحكام سيطرتها عليها، حوّلت "إسرائيل" القلعة إلى واحدة من أضخم قواعدها العسكرية المحصنة في ما كان يُعرف بالشريط الأمني، لتتحول القلعة إلى هدف دائم وشبه يومي لعمليات المقاومة الإسلامية في لبنان، وهو ما جعل بوفور رمزاً لاستنزاف الجنود الإسرائيليين وعقدة نفسية موثقة في وجدانهم، حتى اضطر جيش الاحتلال للانسحاب منها في مايو عام 2000، وقام قبيل تراجعه بتفجير أجزاء واسعة من التحصينات الإسمنتية التي أنشأها بداخلها لضمان عدم استخدامها عسكرياً بشكل فوري.
ومع اندلاع المواجهات الأخيرة، عادت القلعة مجدداً إلى واجهة الأحداث الميدانية متجاوزة سنوات من الهدوء الذي تحولت فيه إلى مركز ثقافي محمي بموجب البروتوكولات الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في زمن النزاعات المسلحة.
وقد عاد هذا الحصن الأثري ليكون محوراً للاشتباكات العنيفة والقصف المركّز الذي ألحق أضراراً ببنيته التاريخية، مما يمثل تحولاً ميدانياً خطيراً يضع المناطق المحيطة ومحاور الإمداد تحت نار الرصد المباشر.
وفي الختام، يتضح أن الغزاة والفاتحين تبدلوا على مر العصور، من الرومان والصليبيين وصولاً إلى العصر الحديث، وبقيت حجارة قلعة الشقيف شاهداً حياً على أن من يسيطر على هذه الصخرة يمسك بمفاتيح الجغرافيا العسكرية للجنوب اللبناني بأسره، لتفتح القلعة فصلاً جديداً من فصول تاريخها الذي كُتب دائماً بالحديد والنار.
