تشهد الساحة الفلسطينية تصاعداً في الجدل السياسي بشأن تنامي حضور ياسر عباس، نجل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، داخل مؤسسات السلطة الفلسطينية وحركة "فتح"، وسط مؤشرات يراها مراقبون محاولة لإعداده لدور سياسي متقدم خلال المرحلة المقبلة، خاصة في ظل الترتيبات الداخلية التي تشهدها الحركة مع اقتراب مؤتمرها الثامن.
وتزايدت التكهنات حول مستقبل ياسر عباس السياسي عقب سلسلة من القرارات والتحركات التي عززت ظهوره الرسمي، كان أبرزها تكليفه ممثلاً خاصاً للرئيس في لبنان، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات بشأن احتمالات انتقال النفوذ السياسي داخل دائرة العائلة واستمرار السيطرة على مفاصل القرار الفلسطيني.
كما تتردد توقعات بإمكانية ترشح ياسر لمنصب قيادي داخل حركة "فتح"، خصوصاً مع اقتراب انعقاد المؤتمر الثامن للحركة، في وقت تشهد فيه الساحة الفتحاوية تنافساً متجدداً بين شخصياتها البارزة والتاريخية.
ويُعرف ياسر عباس، وهو رجل أعمال يحمل الجنسية الكندية، بإدارته عدداً من الشركات العاملة في مجالات التبغ والمقاولات داخل مناطق من الضفة الغربية المحتلة، حيث تدير السلطة الفلسطينية شؤون الحكم الذاتي بشكل محدود.
خطط سياسية
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر مطلعة حديثها عن وجود تحركات سياسية تدعم صعود ياسر عباس، من بينها السعي للحصول على مقعد ضمن اللجنة المركزية لحركة "فتح"، والتي تضم 18 عضواً يتم انتخابهم خلال المؤتمر المقرر عقده في مدينة رام الله بين 14 و16 مايو الجاري، وهو أول مؤتمر للحركة منذ نحو عقد.
وخلال الأسابيع الماضية، عقد ياسر سلسلة لقاءات مع شخصيات وفصائل مرتبطة بالمؤسسة الأمنية الفلسطينية، إلى جانب مجموعات تمثل الأسرى الفلسطينيين لدى "إسرائيل"، وهي جهات تتمتع بثقل انتخابي داخل الحركة، وقد تؤثر في توجهات أعضاء "فتح" البالغ عددهم نحو 2500 عضو ممن يحق لهم التصويت لاختيار أعضاء اللجنة المركزية.
كما اعتاد ياسر عباس الظهور إلى جانب والده في عدد من اللقاءات والزيارات السياسية الخارجية، من بينها زيارة إلى موسكو العام الماضي، التقى خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
إجراء يثير الجدل
من جهته، أكد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" أن تعيين "ممثل خاص" أو "مبعوث شخصي" من قبل رئيس الدولة يرتبط بصلاحيات دستورية وأعراف بروتوكولية تتعلق بإدارة العلاقات الخارجية.
وأوضح الائتلاف، في تصريح مكتوب، أن العديد من الأنظمة السياسية تسمح لرؤساء الدول بتكليف شخصيات محددة بمهام تمثيلية، إلا أن الحالة الفلسطينية تثير تساؤلات قانونية وسياسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتكليف أفراد من العائلة بمهام قد تتجاوز الإطار البروتوكولي المتعارف عليه.
وأشار إلى أن القوانين والأعراف الدبلوماسية تتيح لرئيس الدولة تعيين ممثلين خاصين أو مبعوثين شخصيين لنقل الرسائل الرسمية أو تمثيل الدولة في المناسبات الدولية، غير أن الجدل يزداد عندما ترتبط هذه المهام بالشأن الداخلي أو بالمؤسسات الرسمية الفلسطينية.
وبيّن الائتلاف أن المادة 40 من القانون الأساسي المعدل لعام 2003 تمنح الرئيس صلاحية تعيين ممثلي دولة فلسطين في الخارج، وهي الصلاحيات التي نظمها أيضاً قانون السلك الدبلوماسي لعام 2005.
وفي المقابل، أوضح أن الإطار القانوني الفلسطيني لا يتضمن نصوصاً واضحة تمنح الرئيس صلاحية تعيين ممثلين خاصين لمهام داخلية، كما أن النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية لا ينص صراحة على هذه الصلاحية لرئيس اللجنة التنفيذية.
واعتبر الائتلاف أن غياب تنظيم قانوني واضح لهذا النوع من التعيينات يفتح الباب أمام عدة إشكاليات، من بينها تضارب الصلاحيات، وتجاوز الأطر المؤسسية الرسمية، وتداخل المهام مع جهات تنفيذية قائمة، إضافة إلى المساس بمبدأ سيادة القانون نتيجة غياب سند قانوني واضح ينظم هذه الممارسة.
وأكد أن قرار الرئيس محمود عباس بتكليف نجله بمهام ممثل خاص "يفتقر إلى أساس قانوني واضح"، محذراً من تداعيات ذلك على مبادئ النزاهة والحوكمة الرشيدة داخل النظام السياسي الفلسطيني.
انتهاك للقانون
من جانبه، أكد الفقيه الدستوري د. عصام عابدين، أن رئيس السلطة محمود عباس يمعن في انتهاك القانون غير تعيين نجله كممثل شخصي عنه في المحافل الرسمية.
وتساءل عابدين مستنكراً عما إذا كان عباس يملك أصلاً هذه الصلاحية في ضوء أحكام القانون الأساسي المعدل؟ وحين يُستبدل سؤال المشروعية بسؤال تنظيمي، لا يعود الخطاب رقابياً بالمعنى الدستوري، بل يُسهم في إعادة إنتاج النهج ذاته؛ إذ لا تتعلق المساءلة بغياب إطار قانوني، بل بوجود انتهاك للدستور نفسه.
وأشار إلى أن القانون الأساسي المعدل لم يترك صلاحيات الرئيس مفتوحة للتأويل أو قابلة للاستدراك عبر الممارسة، بل حدّدها على وجهٍ حاسِم باعتبارها اختصاصات حصرية ومُقيّدة. فقد نصّت المادة (38) على أن يُمارس الرئيس سلطاته ومهامه التنفيذية “على الوجه المبين في القانون الأساسي”.
أوضح أن المادة (63) أكدت أن الصلاحيات التنفيذية والإدارية، فيما عدا ما حُدّد للرئيس بنص في القانون الأساسي، تعود إلى مجلس الوزراء.
وشدد على أن أيّ ممارسة لا تجد سندها في الدستور لا يُمكن أن تتحول إلى صلاحية لاحقة عبر وضع “إطار قانوني ناظم” لها، ولا تستمد مشروعيتها من الأعراف أو الضرورات أو الذرائع العملية، لأنها ببساطة غير دستورية. والحَوكمة، في جوهرها، امتداد لسيادة القانون لا بديل عنه، ولا تقوم أبداً على تقنين ما يُخالف أساس دستوري.
