web site counter

زوجات المفقودين بغزة.. معاناة إنسانية وقانونية معلّقة بين الانتظار والفقد

غزة- مدلين خلة - صفا
في قطاع غزة، لا تتوقف الخسارة عند أعداد الشهداء، بل تمتد إلى مصيرٍ أكثر قسوة وغموضًا يعيشه آلاف المفقودين الذين غابت آثارهم تحت ركام الحرب الإسرائيلية أو في ظروفٍ مجهولة.
وخلف كل اسم مفقود، تقف عائلة عالقة بين الأمل والفقد، تعيش انتظارًا مفتوحًا لا ينتهي، وتجد زوجات المفقودين أنفسهن في مواجهة واقعٍ معقّد لا يمكن حسمه بسهولة، فلا هنّ قادرات على إعلان الفقد النهائي، ولا يملكن يقين العودة.
ومع اشتداد حرب الإبادة على القطاع، فُقد مئات الرجال في ظروف متباينة؛ بعضهم تحت الأنقاض، وآخرون خلال النزوح أو في مناطق يصعب الوصول إليها، بفعل القصف العنيف والعمليات العسكرية.
وفي ظل غياب الأدلة أو استحالة التحقق من المصير، يتحوّل الفقد إلى حالةٍ معلّقة لا نهاية لها، لتبدأ معاناة من نوعٍ آخر تعيشها الزوجات اللواتي يجدن أنفسهن عالقات بين الانتظار والخوف، وبين التمسك بالأمل والاستعداد لاحتمال الفقد النهائي.
حياة معلّقة
المواطنة فاطمة يوسف تقول لوكالة "صفا": "خرج زوجي في اليوم الأول للحرب ولا ندري أين ذهب وأين أصبحت أراضيه، منذ ما يقارب الثلاثة أعوام ولا خبر معلوم عنه بحثت مطولًا عنه في المشافي والصليب الأحمر ولم أعثر على اسمه في سجلات الشهداء أو الأسرى".
وتضيف "مع مرور الوقت، أصبح غياب زوجي وعدم معرفة ماهية غيابه يُرهقني وأطفالي، فهذا الغياب دون معرفة مصيره جعلنا عالقون في إطار تعقيدات قانونية لا تتيح لنا التقدم بأي جهة كانت".
وتعيش "فاطمة" على احتمالين مع استمرار غياب زوجها، كما تقول: "أتمسك بالأمل وأخافه في الوقت نفسه".
وتتابع "أعباء الحياة كبيرة، ومع النزوح ازداد الوضع سوءًا، فلا دخل منتظم ولا مؤسسة تقدم إعالة، الجميع يطلب توثيق عن حالة الأب ونحن لا نملكه، ووضع الخيام صعب وفوق مستوى التحمل".
وتؤكد أنها لجأت إلى الجهات المختصة لإصدار وثيقة وفاة لزوجها في محاولة لإنهاء حالة الغموض التي تعيشها، والحصول على أية مساعدة تعيل بها أبنائها.
إلا أن تلك الخطوة لم تكتمل، بعد رفض عائلة زوجها التوقيع على هذا الإجراء تمسكًا باحتمال أن يكون على قيد الحياة.
وتردف "رفض عائلة زوجي هذا الإجراء جعلني لا أستطيع إثبات استشهاده، ولا التعامل مع واقعي كزوجة لها حقوق واضحة فتركني معلقة".
أزمات قانونية
ولا يتوقف الفراغ الذي يخلّفه الغياب عند الألم النفسي، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة العملية، لأن غياب إثبات الوفاة يحرم النساء من حقوق قانونية أساسية، مثل الميراث أو الحصول على مساعدات مخصصة لأسر الشهداء، كما يقيّد قرارات مصيرية تتعلق بالمستقبل.
هذا "التعليق القانوني" يضع المرأة في موقع هش، تتحمّل فيه مسؤوليات الأسرة كاملة، دون غطاء قانوني واضح يضمن حقوقها أو يخفف عنها الأعباء.
المحامية الشرعية ريفال فروانة تؤكد أن الحرب فرضت واقعًا جديدًا، حيث أُجبرت المؤسسات القضائية على تعديل القواعد لتتناسب مع الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
وتوضح فروانة في حديث لوكالة "صفا"، أن تعميمًا صُدر من المحاكم بغزة، بتقليص المدة المطلوبة للحصول على شهادة وفاة من أربع سنوات إلى ستة أشهر فقط، ابتداءً من تاريخ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.
وتشير إلى أن هذه التسهيلات لم تكن الحل المثالي، فقد شهدنا عديد الحالات التي أُعلن فيها عن وفاة مفقودين قبل أن يظهروا لاحقًا على قيد الحياة، ما تسبب بأزمات قانونية واجتماعية قاسية لم تقتصر على الزوجات فقط، بل امتدت لتشمل عائلات بأكملها.
وتشدد فروانة على أن هذه الحالة تضع الزوجات في حالة انتظار تجمد حياتهن وحقوقهن، أو أن يتخذن قرارًا يقلب حياتهن رأسًا على عقب.
وتبين أن الجانب المالي يتأثر بمثل هذه الحالة، لأن اللقانون يمنع التصرف في تركة المفقود دون صدور حكم رسمي بوفاته، وهذا يحرم الزوجة وأطفالها من أي مورد مالي محتمل، ويزيد من أعباء الحياة اليومية، خاصة في ظل ظروف الحرب الصعبة.
معاناة متجددة
وأما المواطنة شروق عبد الكريم، فتواجه معاناة متجددة مع أطفالها وفي توفير متطلباتهم في حياة النزوح، بعد أن غاب زوجها في محور "نتساريم" وسط القطاع دون معرفة مصيره إلى اليوم.
تقول شروق لوكالة "صفا": "بحثتُ كثيرًا في المشافي ومؤسسات الأسرى، لم أترك أسير خرج إلا وسألت عنه، لكن دون جدوى، حتى بات الغياب مرهق لي ولأطفالي".
وتضيف "أعيش هاجسًا أمام أبنائي عندما يسألوني أين أبي هل هو حي أم ميت، سيعود أم لا؟، ناهيك عن صعوبة الحياة وتوفير متطلباتهم اليومية".
ولا تملك عبد الكريم أي إثبات عن ماهية غياب زوجها، وهل هو أسير أم شهيد، ولا توجد أي مؤسسة تساعدها في إعالة أطفالها، بسبب غياب الوثائق الرسمية الخاصة به.
وتؤكد أن الحصول على أي مساعدة يتطلب أوراق رسمية أهمها شهادة الوفاة، وهذا يجعلنا خارج أي دعم أو مساعدة.
ر ش

/ تعليق عبر الفيس بوك