قامت شركة "أوبن إيه آي"، المطوِّرة لـ"شات جي بي تي" بشراء برنامج حواري تقني يحمل اسم "تي بي بي إن" (TBPN)، للمساهمة في تشكيل سردية تستميل الرأي العام لإقناعه بأن الذكاء الاصطناعي يمثّل "قوة للخير" ولا يهدّد الوظائف أو الوجود البشري.
وفي نيسان/ أبريل الجاري، كشفت شركة "أوبن إيه آي" عن وثيقة من 13 صفحة بعنوان "السياسة الصناعية لعصر الذكاء الاصطناعي"، دعت فيها إلى فرض مزيد من الضرائب وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي لضمان قدرة المجتمع على تحمّل أنظمة فائقة الذكاء.
غير أن وثيقة السياسة الصناعية صدرت بعد أيام فقط من ردّ فعل جماهيري غاضب أَجبر الشركة على تعليق خططها لإطلاق روبوت محادثة ذي محتوى جنسي، بالتزامن مع دعاوى قانونية تتهم "تشات جي بي تي" بإلحاق الأذى بالمراهقين لدرجة وصلت أحياناً إلى حدّ الانتحار.
بدورها، تقول المحامية المتخصصة في القانون الرقمي والمقيمة في باريس ألكسندرا إيتينو: "هذه نقطة تحوّل بالنسبة إلى القطاع، فالشركات تنفق ثروات لمحاولة تمرير إجراءات تنظيمية مواتية لها".
وفقاً لمنظمة "بابليك سيتيزن" المدافعة عن حقوق المستهلكين، غيّرت صناعة الذكاء الاصطناعي دور جماعات الضغط في واشنطن بسرعة لافتة، حيث عمل أكثر من 3500 مجموعة ضغط فيدرالية العام الماضي على قضايا متعلّقة بالذكاء الاصطناعي.
من جانبها، قالت إذاعة مونت كارلو الدولية، إن الشركات العملاقة مثل ميتا وغوغل ومايكروسوفت لا تزال تتصدّر الإنفاق، في حين عزّزت شركات ناشئة من أمثال "أوبن أيه آي" و"أنثروبيك" حضورها في واشنطن، عن طريق توظيف شركات ضغط نخبوية.
وفي المقابل، ركّزت "أنثروبيك" على الترويج للذكاء الاصطناعي السليم وتشديد القواعد التنظيمية، أما "أوبن أيه آي" فقد دفعت في اتجاه محاولة منع الولايات الأمريكية من سَنّ قوانين خاصة بها لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وهو مسعى أفشله الكونغرس مرّتين.
وتمكنت حملة مؤيّدة للذكاء الاصطناعي تُطلِق على نفسها "قيادة المستقبل" من جمع 100 مليون دولار لدعم مرشحين مؤيدين للذكاء الاصطناعي في انتخابات التجديد النصفي للعام 2026، وهو ما عُدّ تغولاً للنفوذ بات يتحكم بمسار الانتخابات.
ويُعد الرئيس دونالد ترامب، المعروف بمعارضته الشديدة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، من أكبر المستفيدين من تبرعات كلّ من سام ألتمان الشريك المؤسس لـ"أوبن أيه آي"، ورئيسها غريغ بروكمان.
وإلى أوروبا، حيث يشعر المنظّمون بالضغط أيضاً بعدما قدّمت الشركة الفرنسية الناشئة "ميسترال" خطّة من 22 نقطة لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي في القارة.
وبحسب دراسة أعدّتها منظّمتا "المرصد الأوروبي للشركات" و"لوبي كونترول" ارتفع إنفاق قطاع التكنولوجيا على جماعات الضغط بنسبة 55 بالمئة منذ العام 2021 ليصل إلى 177 مليون دولار العام الماضي.
من جهته، يرى مركز أبحاث الشركات متعددة الجنسيات (سومو)، ومقرّه هولندا، أن شركات الذكاء الاصطناعي تعمل وفق نهج صناعتي النفط والتبغ، لكن مع فارق مفاده أنها "أغنى الشركات في العالم، وتمتلك أموالاً طائلة يمكنها توجيهها نحو أنشطة الضغط السياسي".
وتقول: "عندما يكون هناك ضغط مكثّف قائم على هذا القدر من تركّز الثروة، ويقف عائقاً أمام تشريعات تصبّ في المصلحة العامة... فإننا نتحدّث عن تهديد ديمقراطي".
شارل تيبو، أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيانس بو - ستراسبورغ في شرق فرنسا، قال إن العديد من المديرين التنفيذيين لشركات التكنولوجيا الكبرى يحرصون على نسج علاقات صداقة مع السياسيين للحفاظ على "قنوات مميّزة" مع الإدارات العامة.
ويلفت إلى أن القادة السياسيين غالباً ما يحرصون على الظهور إلى جانب أسماء بارزة في عالم الذكاء الاصطناعي، ولو كان ذلك فقط للمساعدة في جذب جزء من إنفاقهم الضخم على التطوير إلى ولاياتهم أو مناطقهم.
وعلى الرغم من الإنفاق الهائل في الولايات المتحدة مثلاً، تُظهر استطلاعات الرأي بانتظام أن الأمريكيين لا يزالون متشكّكين إزاء فوائد هذه التكنولوجيا، وقلقين من أن تؤدي إلى ضياع ملايين الوظائف.
