بينها وبينه بضعة أمتار، لكن دقات قلبها تتسارع قبضًا وقهرًا، وهي تتخيل جسد طفلها، يتآكل بردًا، تُذيبه الأمطار، أو يُنهش، ويتحلل رويدًا، وهي عاجزة عن الوصول إليه.
جندي يعتلي دبابة أو طائرة "كواد كابتر" تحوم حول ذلك الجسد الصغير، الذي فتته رصاص جيش الاحتلال قبل أيام، ليتحول إلى "إرهابي" يُمنع انتشاله.
الطفل ناجي أبو خاطر "15 عاما"، بطلٌ شكّل من جسده طاقم إنقاذ لسيدة ارتقت وسط بلدة بني سهيلا شرقي خانيونس، حينما رأى ابنها يركضُ باكيًا ويلهث من شدة سرعته للوصول لجثمانها، فرافقه، عطفًا ورجولةً ليحملها معه.
انبرى مسعفًا فقتلوه
"ذهب ليسعف سيدة مع ابنها فقتلوه وتفتت جسده من كثرة الرصاص"، تقول والدة الطفل عزيزة أبو خاطر "53 عاما".
تضيف لوكالة "صفا"، "قارب الأسبوع على استشهاد ناجي، وقلبي يحترق عليه وهو بالشارع مع ثلاثة شهداء في منتصف بني سهيلا".
خبر ارتقاء "ناجي" تلقته الأم من شابٍ أصيب في المنطقة، واستطاع الزحف بجراحه الخطيرة، حتى وصل لدوار بني سهيلا.
تقول "كان ناجي جالسًا على دوار بني سهيلا، ورأى شابًا يركض ويبكي بشدة، سأله عن السبب، فأبلغه بأن الجيش قتل أمه وأنه ذاهب لإخراج جثمانها، وبدون تفكير ركض معه ليساعده".
بكت واهتز صوتها وهي تردد "ناجي رجل صغير، ناجي ذهب لإسعاف سيدة، فقتلته الطائرة بدون ذنب".
الجيش قتل ثلاثة شبان مع ناجي، ابن السيدة الشهيدة وآخر، فيما روى الجريح بأن "أجسادهم تمزقت من الرصاص".
والدة "ناجي" توجهت للصليب الأحمر والهلال، مناشدة إياهم بالمساعدة في انتشال جسد طفلها، لتكفنه وتدفنه قبل أن يتحول لرفات.
تستدرك "لكن اليهود رفضوا، قالوا عنهم إرهابيين، ولم يقبلوا بالتنسيق لانتشال ناجي ولا من معه".
ومع أجواء البرد الشديدة والأمطار الغزيرة، يزداد قلب أم ناجي حرقة من نار الانتظار.
تردد "يارب مالي سواك، حمدتُك بأن اصطفيت ابني شهيد، فأعني على الوصول إليه، لتبرد نار قلبي".
ومع مرور الساعات والأيام، فإن وداع أم ناجي سيكون قاسيًا على قلبها، فلا تكون قادرة على تقبيل وجنتيه أو جبينه، حينما يتحلل جسده، فيما يقف جنود الاحتلال متفرجين، مجردين من أدنى مشاعر الإنسانية والضمير.
وتتعرض بلدة بني سهيلا شرقي خانيونس لعدوان وقصف ونسف متواصل، بالرغم من أنها خارج ما يسمى بالخط الأصفر، ويستهدف جيش الاحتلال المواطنين هناك بشكل متعمد.
