يتضح من مبادىء الخطة الأمريكية التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب بشأن الحرب على غزة، أنها نسخة محدثة من "صفقة القرن"، وإعادة تدوير للحرب ليس إلا، كما يرى محللان سياسيان.
ويؤكد المحللان لوكالة "صفا" أنه إذا ما تم القبول بالخطة من قبل الجانب الفلسطيني، وتحديدًا المقاومة، فإن الفلسطينيين سيكونون أمام مرحلة "ما كان سابقًا أفضل مما نحن عليه".
وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس، برفقة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، في البيت الأبيض خطة لإنهاء الحرب على غزة، تتضمن إطلاقًا لسراح الأسرى الإسرائيليين دفعة واحدة ونزع سلاح المقاومة، مقابل وعودات بانسحاب إسرائيلي من مناطق في قطاع غزة وإعادة الإعمار وإقصاءٍ للفصائل الفلسطينية.
وهذه ليست المرة الأولى التي تصيغ فيها الولايات المتحدة خطة بشأن غزة، بالتنسيق مع "إسرائيل" فقط، ومحاولة فرضها على الجانب الفلسطيني، وهي خطوات تتخذها كلما تصاعدت موجة الانتقادات والعزلة الدولية التي تواجهها "إسرائيل"، بسبب حرب الإبادة على غزة.
تفكيك القضية
ويقول المحلل السياسي سليمان بشارات لوكالة "صفا"، إن "هذه الخطة هي ليست استسلام فقط، بل خطة تفكيك القضية الفلسطينية بشكل كامل، وتسميتها الأدق هي أنها النسخة المحدثة لصفقة القرن، التي طرحها ترامب في ولايته الأولى".
ويضيف "نعم هي نسخة محدثة، خصوصاً إذا نظرنا إلى أن من وضع صفقة القرن الأولى هو كوشنر صهر ترامب، واليوم كوشنر هو مهندس وواضع هذه الخطة، بالإضافة لتوني بلير و الوزير الإسرائيلي ديرمر".
ويشير إلى أن بنود الخطة التي تحدث عنها "ترامب"، مختلفة في بعض البنود التي عرضت وضعت أمام العرب والمسلمين، الذين استضافهم "ترامب" في البيت الأبيض الأسبوع الماضي.
وبحسبه، فإن الخطة تتبنى الشروط الإسرائيلية لوقف الحرب وتأخذها بعين الإعتبار، وهي شروط فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة والوصاية الدولية على قطاع غزة.
ويجزم بشارات أن هذه الخطة تعني "أن إسرائيل هي الحاكم والمتحكم الفعلي بغزة، لأنه في نهاية المطاف حتى في الحديث عن لجنة السلام ومؤتمر السلام والمرجعية الاستشارية الاشرافية التي تحدث عنها ترامب، كلها ستعتمد على الموقف الإسرائيلي وتتبناه".
ومن وجهة نظره، فإن النموذج الموجود الآن بلبنان ما بعد وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه العام الماضي، واضح فيه جداً أن "إسرائيل"، هي من تفرض شروطها على الارض والولايات المتحدة تذهب لتبينها، مضيفًا "لذلك يراد أن يطبق ذات النموذج بغزة".
جوهرها أسس التهجير
أمر آخر بالخطة، هو أنها مرفوضة من حيث جوهرها الكامل، لأنه وفي نهاية المطاف فإن كل الخطوات مبنية على بعضها البعض، فيما يتعلق بإدخال المساعدات وإعادة الإعمار والإدارة المحلية لسكان غزة، كلها مرتبطة بالمسار الدولي والذي سيكون بيد "إسرائيل"، وستتحكم بمعطياته، ما يعني أن أسس التهجير الطوعي أو القسري ستبقى حاضرة، وستستخدم كل هذه المنهجيات لتحقيق فكرة التهجير، كما يرى بشارات.
ويقول "بمعنى أو آخر فإن واحدة من القضايا لم يتم ذكرها، لكن في جوهرها موجودة، وهي فكرة الهجير، وهي ما زالت حاضرة في العقلية الإسرائيلية وفي جوهر الخطة".
ويشدد على أن هذه "الخطة جاءت لإنقاذ إسرائيل في ظل الإبادة والعزلة والانتقادات الدولية الواضحة التي تتعرض لها منذ شهور ماضية".
ووفق بشارات، فإن الإعلان من طرف واحد للخطة، لا يعني أنها مقبولة، ولكن يعني أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" وضعتا السقف لنهاية الحرب، موضحاً أن هذا السقف سيكون خاضع للنقاش والتفاوض.
ويكمل "تبقى هنا القدرة الفلسطينية وبالدرجة الأولى للمقاومة الفلسطينية، بقدرتها على استيعاب وامتصاص الضغوط التي ستمارس عليها، من أجل القبول بهذه الخطة وقدرتها على المناورة وتحسين وتطوير النقاط الموجود فيها، ومحاولة إضافة منهجيات لتنفيذها فيها، وهذا بحاجة لموقف عربي وإسلامي داعم".
ولكن المختص السياسي يؤكد ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أن البيان الذي صدر من الدول التي شاركت في لقاء "ترامب" والترحيب بالخطة من قبلها، هو نوع من البروتوكول والعلاقات السياسية، وليس بالموقف النهائي لأن البيان بني على اللقاء السابق، بينما ما طرح أمس هو مغاير لما له.
ولهذا السبب فإن موقف الدول العربية والإسلامية يجب أن يكون مساندًا لموقف الفلسطنيين، وإلا سيكونون وحدهم في مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، حسب بشارات.
تغيير لشكل الحرب
من جانبه، يصف المحلل السياسي عماد عواد "الخطة بأنها إسرائيلية بحتة"، مضيفًا "وحتى إسرائيل نفسها لا تنوي تنفيذها بالكامل، وهذا واضح من تصريحات نتنياهو بعدها، والتي قال فيها سنستعيد الأسرى دون الانسحاب من غزة".
ويرى في حديثه لوكالة "صفا"، أن الجانب الأهم هو كيف قبلت دول عربية وإسلامية على نفسها، تبني هكذا خطة تحت بند وقف الإبادة والضغط على حماس" والوقوف مع الموقف الاسرائيلي، فيما كان من الممكن وقف الإبادة من قبل العرب مع الحفاظ على القضية الفلسطينية.
ويجزم بأن الخطة فيها الكثير من البنود التي تدفع الفلسطنييين لأن يقولوا "لا"، وذلك عبر شروط تم وضعها ولا يمكن تحقيقها، وهي شروط فضفاضة ويمكن نكثها من قبل "إسرائيل"، إلى جانب تسليم الأسرى بساعات ونقطة تسليم السلاح، التي يمكن أن تتذرع "إسرائيل" بها، بالزعم أنه لم يتم كل السلاح وغيرها، من أجل مضاعفة الأعباء على الغزيين.
ولذلك فإن عواد يشدد على أن "الخطة هي تغيير لشكل الحرب وإراحة اسرائيل، ومن أجل إعادتها للمجتمع الدولي".
وفي المقابل تبقى "اسرائيل" وأمريكا مستمرتان في الضغط على الفلسطينيين، لحسم القضية الفلسطينية وتهجير ما يمكن تهجيره منهم، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى لـ"إسرائيل".
ويصف عواد من صاغ الخطة بهذه الطريقة-جازمًا أنه نتنياهو- هو يريد أن يقول لحماس ارفضي هذه الخطة لنستكمل الحرب، أو بصورة أدق يمكن القول، إنه تم وضع شروط من المستحيل القبول بها، من أجل استمرار الحرب، من خلال إظهار انه "حماس" رفضت.
وبالمحصلة، يشدد عواد على أنه بالرغم من أن الجميع معني بوجوب وقف الإبادة بغزة، ولكن الجميع أمام تدوير وإعادة شكل لهذه الحرب، قائلًا "ربما في المستقبل نقول ما كان هو أقل سوءًا مما هو الآن، إذا ما تم الموافقة على هذه الخطة".
ومنذ أكتوبر للعام 2023 ترتكب "إسرائيل" بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية وجريمة تجويع، أدت لاستشهاد ما يزيد عن 62 ألف شهيد، بالإضافة لما يزيد عن 160 ألف إصابة، وما يزيد عن 14 ألف مفقود تحت الأنقاض.
