غزة- مدلين خلة - صفا
"رفعت الردم عن جسمي وأخذتُ أبحث عن زوجي وأولادي ملقتش شي بالشقة كلو طاير"، بلحظة واحدة تحولت الضحكات بين زوايا البيت إلى موت أسود اقتلع معه حياة طالما أزهرت بالحب والألفة، ليترك الأم تبكي طفلاتها اللواتي قطعتهن صواريخ الاحتلال لأنصاف وغبيت ملامح جمالهن.
لم تكن الأم نهى شحتو تعلم أنها تعيش لحظاتها الأخيرة مع عائلتها، وأن ما تعده من طعام لن يتذوقه أحد، بل سيتطاير إلى السماء كما أجساد أطفالها، لتعلن الساعة الخامسة من يوم الخميس الماضي بداية حياة أخرى تقتصر عليها وطفلها علي فرج، الذي قذفته قوة انفجار الصواريخ من منزله إلى سطح منزل مجاور.
اللحظات الأخيرة
تروى الأم شحتو لوكالة "صفا"، تفاصيل اللحظات الأخيرة مع عائلتها، قائلة: "طلعت أجري أبحث عن زوجي وبناتي وأخوي وأختي وأولادهم، لكن مفيش صوت ما حد يرد كانت الدنيا سوداء والدخان معبي المكان، خفت على الصغار وصرت أجري على الدرج أطلب النجدة".
أي نجدة تلك التي تبحث عنها الأم ترفض بشدة تصديق ما جرى، لأن الكارثة كانت أكبر من قدرة عقلها على استيعاب مشهد صغيراتها اللواتي شُق نصفهن العلوي عن السفلي، وأنها لم تعد تراهن مجددًا.
"ما ظل إلي حد فش إلا أنا وعلي"، عبارة اختزلت حجم وجع الأم المكلومة، بعد أن فقدت عائلتها وبقيت روحها تنزف، لتبدأ فصول حكاية وجع عايشتها وجسدها المحترق، تضمد بها جراح طفلها الذي لم يسمع العالم صوته وهو يصرخ أنا "هنا على سطح الجيران".
تضيف "وأنا بجري على الدرج شفت علي بشاور بيده وبصرخ، صرت أنادي عليه أنا هان متخافش يما هيني جاية عندك".
وتتابع الأم والألم يعتصر قلبها "بهاد الوقت كانت الناس جاية تنقذ العايشين فحكيت لهم فش حد بالبيت كلهم طاروا، هناك علي عايش وخايف روحو جيبوه".
مرارة الفقد
وفي مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر الطفل علي وهو يلوح بيده يُنادي ضمير الأمة المغيب علها تستقيظ وتنقذه من ركام أصاب روحه، بعدما قذفته الصواريخ ووالده وشقيقاته نحو عالم آخر نجا هو وبقيّ شاهدًا على إجرام الاحتلال وإصراره على قتل الطفولة بغزة.
الطفل الذي لم يتجاوز عامه السادس أطلق صرخات مدوية اخترقت أسماع الغزيين فقط، وصُمت لها آذان العالم قاطبة.
"بناتي اتقطعوا نصين، ما بنعرف ما حدث، هو نسف أو صاروخ، الشيء الوحيد المتأكدة منه أن الاحتلال يتفنن بقتلنا في غزة، ولا يوفر آلة أو سلاح ليصيب قلوبنا بها".
وتكمل حديثها "كنا قاعدين مبسوطين والأولاد بيلعبوا مع بعض وبيحضروا أفلام كرتون، حياة بسيطة كنا نخلقها من كل الوجع بغزة، ما حسينا ع شي غير ركام البيت فوق جسمي، الصاروخ نزل بالصالون وين كانوا كلهم متجمعين".
وتضيف "كلنا في البيت أطفال ونساء، لقد استشهد 10 أطفال بناتي وأولاد أخوي محمد وأختي، شو ذنبهم هدول يتقطعوا وتطير جثثهم بالسماء؟".
وتتساءل الأم، التي ترقد على سرير الشفاء في المستشفى الكويتي الإماراتي، عن الخطأ الذي ارتكبته وعائلتها حتى يحدث هذا لها، وتُترك نفسها تعاني مرار الفقد ولوعة الاشتياق.
وتطالب الأم شحتو الدول العربية بضرورة التدخل العاجل لوقف شلال الدماء الذي لم يتوقف منذ 18 شهرًا من الابادة الجماعية في قطاع غزة.


ر ش
