على الرغم من أن استخدام "إسرائيل" بند إعادة احتلال كامل لقطاع غزة، أو أجزاء منه، كوسيلة ضغط على المقاومة من أجل القبول بما هو مطروح تفاوضيًا، إلا أن هذا البند الموجود ببنية العقلية الإسرائيلية التي تحكم حاليًا، سيستنزف كامل المنظومة، وعلى رأسها الجيش، كما يجزم مختصون بالشأن الإسرائيلي والسياسي.
وتصاعدت الدعوات الإسرائيلية، سيما من وزراء حكومة الاحتلال، بضرورة احتلال غزة، خاصة في ظل تمسك المقاومة باتفاق وقف إطلاق النار وبنوده التي تم التوصل إليها بيناير المنصرم، ورفض الصفقات الجزئية التي يريدها "بنيامين نتنياهو"، للإبقاء على الحرب بعد إعادة ما يمكن إعادته من الأسرى بغزة.
واحتلت "إسرائيل" قطاع غزة في السادس من يونيو عام 1967م، حينما استولت قوات الاحتلال، على المنطقة التي كانت تحت إدارة مصر آنذاك، وذلك خلال حرب الأيام الستة، وانسحبت منه عام 2005، بضغط عسكري من المقاومة الفلسطينية.
واليوم تعاود أصوات إسرائيلية من اليمين المتطرف تحديدًا، للدعوة لإعادة احتلال غزة، التي تتعرض لحرب إبادة جماعية منذ أكتوبر عام 2023، بدعم أمريكي، وحصار منذ ما يقارب عقدين، أعيد تشديده خلال الحرب الحالية.
طابع لاستمرار الحرب
ويقول المختص بالشأن الإسرائيلي عماد عواد لوكالة "صفا" إنه "على المستوى القريب التكتيكي فإن العدوان لاحتلال غزة، حقيقية وهي تأخذ طابع لاستمرار الحرب، ولكن استمرارها ليس شرطًا بالطريقة الموجودة حاليًا، ولكن بأشكال متنوعة ومختلفة".
ويوضح أن الحرب الحالية ودخول الجيش لمناطق معينة بغزة، هو حدث مهم بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف، لتحقيق مشاريع كثيرة له في الضفة والداخل وغيرهما، وبالتالي فإن احتلال غزة أو أجزاء منها، هو أمر تسعى إليه.
ولكن استيطان القطاع والبقاء فيه، أمر غير وارد داخل "إسرائيل"، ولا يوجد جدية في الدعوات القائمة على إعادة إقامة المستوطنات فيها على غرار ما كان قبل عام 2005، وفق عواد.
وبحسبه، فإنه رغم أن موضوع الاحتلال أحد الأحداث التكتيكية المهمة التي تقود لأبعاد استراتيجية لصالح حكومة نتنياهو، بحال استمرّت أصلاً، إلا أنها لم تفعل شيء على الأرض، لأن "إسرائيل" لا تنظر لغزة على أنها حيز جغرافي للاستيطان.
ويستطرد "إنما ما يهمها استمرار الحرب، لتحقيق أهداف متنوعة، ومحاولة رفع سقف تطلعاتها لتحقيق أهداف مختلفة، ومحاولة وضع هدف نزع السلاح وتهجير السكان، كقضايا تعجيزية من أجل إغلاق الباب أمام أي محاولات لملمة هذا الملف".
ولذلك فإننا أمام هذا التناقض والواقع المعقد، "قد نصل لتهدئة طويلة أو قد يكون هناك حرب بطريقة معينة كقصف هنا وهناك، لكن للأسف سيكون هناك استمرار للحصار وإعاقة الإعمار ومراكمة المعاناة الإنسانية بغزة".
وعلى المدى غير البعيد، يرى عواد أن المنطقة تقترب من انفجار، قائلاً "هذا الانفجار قد يكون العام المقبل أو الذي بعده، لا نعلم إنما نحن نقترب من هذا السيناريو أكثر وأكثر، والحرب مستمرة، لكن اعادة احتلال غزة والاستيطان فيه غير ممكن".
جزء من الأطماع بالمنطقة
من جانبه، يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن "الموقف الإسرائيلي تجاه احتلال غزة، يحمل في طياته أمرين، الأول ضمن الوسيلة الضاغطة على المقاومة للقبول بما هو مطروح على الطاولة، بمعنى استخدام التهديد باحتلال قطاع غزة كسيف للقبول بالمسار التفاوضي".
ويقول لوكالة "صفا إن "جزء منه كحرب دعاية نفسية ضاغطة على المجتمع الغزي بهدف الضغط على المقاومة الفلسطينية للذهاب إلى تقديم تنازلات في المسار التفاوضي".
ولكن هناك رؤية ثانية، هي باعتقاد بشارات أكثر عمقًا على المدى الاستراتيجي، وهو "العقلية الأيديولوجية الإسرائيلية الحالية، في ظل حكومة بنيامين نتانياهو".
ويفسر بقوله "نحن نتحدث عن رؤية تهدف بشكل أو بآخر لإعادة احتلال غزة، كجزء من الأطماع الاسرائيلية بغزة، وهو جزء من فكر ديني أيدولوجي أو ما يوصف بالرؤية الإسرائيلية الجيوسياسية، حيث ترى إسرائيل أن الظروف مواتية لتوسيع بعدها من هذه الناحية، وهذا لا يمكن أن نفصله عن البقاء على السيطرة على بعض المواقع داخل لبنان، والتواجد الاسرائيلي داخل الأراضي السورية، والأطماع الإسرائيلية في محاولة تعزيزي وجودها بالشرق الأوسط عامة".
ولكن بشارات يشير إلى أن، هذا الخطاب الذي يتم تعزيزه من قبل الحكومة الاسرائيلية، والقيادات فيها ونتنياهو شخصياً، هو أيضًا جزء من محاولة الإبقاء على حالة التناغم والترابط داخل الحكومة الإسرائيلية.
ثمن كبير لا تريد دفعه
وعلى كل الأحوال-يقول بشارات- إنه في حال تطبيق الاحتلال المباشر لغزة، فسيكلف ثمنًا كبيرًا، وهذه وفق رؤية المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، موضحًا أنه لذلك هناك مطالب كثيرة بضرورة إنهاء هذه الحرب، وعدم التعمق فيما يتم الدعوة إليه بشأن احتلال غزة وغيره.
ويشدد بشارات على أنه "بحال ذهب المستوى السياسي الاسرائيلي بزعامة نتنياهو، لتطبيق رؤية احتلال غزة، سيكون هناك حالة استنزاف كبيرة جداً للاحتلال وتحديداً الجيش".
ويفسر حديثه بأن "ذلك سيتحول من المقاومة المسلحة النخبوية القائمة على الفصائل، إلى المقاومة الشعبية، التي يمكن أن تكون أقرب إلى ما كانت عليه الانتفاضة الأولى، مع تطوير بعد الأدوات، وهذا ما سيؤثر على مكانة إسرائيل وقدرتها على تسويق مشروعها الاحتلالي المستمر أمام العالم".
ولذلك، فإن "الخيارات الاسرائيلية بهذا الاتجاه، ما زالت غير واقعية وإمكانية تطبيقها إسرائيليًا، ما زالت تحظى برفض كبير جدا في هذا الإطار"، يجزم بشارات.
ويؤكد أنه لهذا السبب يبدو أن الروية الإسرائيلية، تذهب باتجاه محاولة أن يكون هناك ضغطًا إسرائيلياً، لإيجاد بديل قد يكون عربي أو إقليمي أو دولي، للإشراف على الواقع الأمني في غزة، مع بقاء "إسرائيل" مسيطرة على البعد.
ويبين أن "إسرائيل تريد ألا يكون التواجد العسكري لها، بشكل مباشر على الأرض بغزة، لأنها تدرك طبيعة الأثمان وما سيكون عليه الأمر بحال الذهاب إلى هذا الخيار"..
لا يمكن توقعه
بدوره، يقول المختص بالشأن السياسي عادل شديد لوكالة "صفا" إن إعادة احتلال غزة هو برنامج للحكومة الإسرائيلية الحالية التي تم تشكيلها قبل 7 أكتوبر بعشرة شهور، وبرنامجها تضمن الاستيطان بكل الأراضي الفلسطينية، بما فيها غزة.
ويضيف "أن هذه الحكومة شرعت بوزرائها وفعالياتها، للترويج ، لما يسمى معالجة أخطاء أريئيل شارون عام 2005، والذي كان له اعتبارات اقتصادية وأمنية للانسحاب من غزة، رغم أنه صاحب مشروع الاستيطان واحتلالها".
ولكن أنظار "شارون" الذي خرج تحت ضربات المقاومة، ، كانت تتجه نحو الضفة وحسمها، آنذاك، حسب شديد .
ويضيف "نحن اليوم وبعد 20 عاما من هذا الانسحاب، أمام تركيبة ديمغرافية للمجتمع الاسرائيلي مختلفة، تضم كتلة من التيار القومي المتطرف من المستوطنين، الذين لا يرون فرقًا بين غزة ورام الله، ورفح ونابلس وغيرها، ويجب إعادة احتلالها، وإن تمكنوا من تهجيرها فيكون أفضل بالنسبة لهم".
ولكن إعادة احتلال غزة الذي يدعون لتحقيقه كحلم قديم، هو عقائدي ديني، وليس عسكري احتلالي أمني، وهو ما لا يمكن توقع بمستقبل له، حسب شديد.
وبدعم أمريكي، ترتكب "إسرائيل" منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إبادة جماعية بغزة خلفت أكثر 51 ألف شهيد، وما يزيد عن 164 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، بالإضافة لما يزيد عن 14 ألف مفقود تحت الأنقاض.
