بالرغم من أن النكبة الفلسطينية وقعت في أشهر العام 1948؛ إلا أنها لم تبدأ في قرية "خربة جديّن" بحينه، بل إن احتلالها كان نتيجة لعملية احتيال على أراضي القرية، نفذها ما يسمى بصندوق "كيرن كييمت" الصهيوني عام 1946.
القرية كانت مقامة حول بقايا قلعة قديمة، تنتصب فوق تل يشرف على البحر المتوسط غربًا، قرب عكا، وسُميت بخربة، نسبة إلى إقامتها حول بقايا تلك القلعة.
وعُرفت "جديّن" بأنها كانت حصنًا منيعًا، حتى أيام الصليبيين، وجاءت العصابات الصهيونية، لتحتلها عام النكبة، فارتطمت بمقاتليها الشداد، الذين عاثوا فيها قتلاً وتدميرًا.
ويُحيي الشعب الفلسطيني هذه الأيام الذكرى الـ75 للنكبة، التي ارتكبت فيها العصابات الصهيونية ما يزيد عن 70 مجزرة، من أجل إقامة الكيان الإسرائيلي، وشردت مئات آلاف الفلسطينيين في الوطن والشتات.
وسميت جديّن أيضًا بالقلعة، لوجود قلعة بناها الصليبيون نهاية القرن الثاني عشر وسموها بذلك، وقد دمرت خلال معارك على أرضها سنة 1288 لمنع الصليبين من الانتفاع منها.
وفي سنة 1770 أعاد ظاهر العمر الزيداني ترميم القلعة، واستخدمها لتعزيز موقعه العسكري، فيما دمر خليفته ومنافسه أحمد باشا الجزار القلعة في أواخر السبعينات من القرن الثامن عشر.
احتيال وارتطام بحصنها
وحسب روايات شهود لجمعية الدفاع عن حقوق المهجرين، التي نقلتها وكالة "صفا"، فإن "منظمة "كيرن كييمت" الصهيونية، اشترت عام 1946، ما يزيد عن 3 آلاف دونم من أراضي القرية، من الإقطاعيين اللبنانيين، وكانوا من عائلة سرسق".
وبعد شراء الأراضي، أقام اليهود كيبوتس "يحيعام" قرب القلعة التي تقيم حولها منازل القرية، والتي كان معظم سكانها من عرب السويطات.
ويقول الرواة: "جاءت أحداث النكبة، ووقعت مواجهات بين جيش الإنقاذ العصابات الصهيونية في 20 يناير 1948، وفجّر المقاتلون المدافعون عن القرية، جسر جعثون المؤدي إلى جدّين، لمنع الامدادات من الوصول إلى كيبوتس يحيعام".
"في ذلك الوقت وصلت القوات البريطانية للمنطقة وأوقفت القتال بين الطرفين".
وفي أواخر أكتوبر، استطاع الصهاينة احتلال جديّن، ضمن حملة "حيرام"، والحملة على قرية ترشيحا القريبة منها.
وكان عدد سكان القرية يبلغ في عام النكبة ما يقارب 1,740 نسمة، فيما بلغت مساحة أراضيها الإجمالية 7,587 دونم.
ولكن قبل أن تسقط جدّين العنيدة، اخترق المقاتلون الحواجز على طريق ترشيحا ونهاريا، وأوقعوا خسائر كبيرة في صفوف القوات الصهيونية، كان أكثرها في الـ27 من مارس، حيث أوقعوا فيه 46 قتيلًا من صفوف القوات الصهيونية.
مستوطنة وموقع سياحي
وعقب احتلالها، هجّرت العصابات الصهيونية وحلفاءها، سكان جديّن، ضمن عملية تهجير قسري لغالبية سكان قرى الجليل الغربي، وذلك إلى جنوب لبنان، بينما يتواجد عدد منهم حاليًا في الجليل بالداخل المحتل، أي على مقربة من قريتهم.
وبالرغم من أن عرب السويطات كانوا يعيشون في خرائب القلعة "حولوها لمنازل"، يبدو للقارئ عنها بأنها غير مغرية للعيش، إلا أن المنطقة كانت تتسم بجمالها وكثافة أشجارها، حتى أن بعضهم كان يعيش في خيام بالمنطقة.
ومن أبرز الأشجار التي ما تزال في قرية جديّن حتى اليوم، أحراج السنديان والسريس والبطم والقندول والبلان.
وبقيت "قلعة جدّين" صامدة حتى العقد الأخير، قبل أن تُحوّلها سلطات الاحتلال، ممثلة بما تسمى "دائرة أراضي إسرائيل"، إلى موقع سياحي، بالإضافة إلى مستوطنة "يحيعام"، وكسارة "أوشرات" الإسرائيلية.
