في الدقائق الأخيرة المتبقية من عمرهما، أبرق المقاومان المحاصران إبراهيم النابلسي وإسلام صبوح مقاطع صوتية قصيرة نعيا فيها نفسيهما إلى أبناء شعبهم موصيين من سيأتي خلفهم: حافظوا على البندقية.
واستشهد النابلسي وصبوح، الثلاثاء، بعد اشتباكات ضارية مع قوات إسرائيلية خاصة داخل البلدة القديمة في نابلس.
معركة غير متكافئة بالعدد والعتاد خاضها الشهيدان عل مدى ثلاث ساعات متواصلة تحت نيران القذائف والصواريخ والرصاص.
النابلسي الذي احتفى قادة الاحتلال باغتياله، كان قد تحول في الفترة الماضية إلى أيقونة إثر نجاته مرات عديدة من محاولات الاعتقال أو الاغتيال.
فبعد اغتيال رفاق دربه، كان يخرج كاشفا وجهه ويشارك بتشييعهم ويعاهدهم على مواصلة الطريق.
وإلى جانب نعش الشهيد إبراهيم، اختطفت والدته "أم إياد" الأضواء وهي تحمل النعش على كتفها في صورة وثقتها عدسة المصورين وطافت أرجاء المعمورة.
وأبهرت والدته من جاء لمواساتها بما أبدته من قوة وعزيمة وهي تتحدث بفخر عن ابنها الذي وصفته ب " رُعب الكيان".
وقالت لوكالة "صفا" أن إبراهيم اتصل بها وأخبرها أنه محاصر، وطلب منها أن تدعو له وألا تحزن أو تبكي في حال استشهاده.
وأضافت: "فلسطين ولاّدة، وإذا استشهد إبراهيم فسيخرج 100 ألف إبراهيم ليكملوا طريقه في الجهاد والمقاومة".
وكأي أمّ؛ كانت "أم إياد" في حالة قلق دائم على ابنها، ويزداد قلقها كلما سمعت أصوات طلقات الرصاص، فكانت تدعو الله أن يحميه، وتقول: ربنا كان رحيما بي، ولهذا اصطفاه شهيدًا".
وأضافت: "إبراهيم راح عند حبيبه المصطفى، وأنا وهبته لله ولرسوله وللمسجد الأقصى".
"أبو إياد" لم يكن أقل تماسكا من زوجته، وعبر عن فخره بما صنعه نجله، ورضاه بما قسمه الله له.
وقال: "هذا مصير كل إنسان حر وشريف ويحمل بندقية شريفة، إبراهيم قام بواجبه وأملنا بمن يأتي خلفه ليكمل هذا الطريق".
أما والدة الشهيد إسلام صبوح، فلم تقـوَ على الحديث عن ابنها المدلل وأصغر أبنائها السبعة، ولاذت بالصمت كأفضل تعبير عن جرحها.
ويقول شقيقه شادي لوكالة "صفا" أن إسلام اتصل به في ساعات الصباح الباكر وأخبره أن الاحتلال ينتشر في المنطقة التي يتواجد بها.
وما لبث أن بعث له برسالة صوتية يخبره فيها أنهم محاصرون وأن الجنود يطلبون منهم تسليم أنفسهم، وأنهم لن يستسلموا بل سيقاومون حتى الشهادة.
وقال إن إسلام كان لا يرى نفسه إلا شهيدا وكان كثير الحديث عن الشهادة والشهداء والجهاد في سبيل الله، ولم تكن الدنيا تشغل تفكيره، بل أنه كان يتهرب كلما طرح عليه موضوع الزواج.
وأشار إلى أن شقيقه لم يكن مطاردا من الاحتلال، وإنما كان رفيق السلاح لعدد من المطاردين خاصة الشهيد أدهم مبروكة "الشيشاني"، دون أن يكشف عن هويته.
ومع ذلك، فقد كان يتحسب لاعتقاله، ولا يريد أن يكون هدفا سهلا للاحتلال، فاعتاد في الشهور الأخيرة المبيت ليلا مع المطاردين في البلدة القديمة.
ويمضي شادي في حديثه عن شقيقه إسلام، فيقول: "كان محبا للجهاد ولفلسطين.. كان إنسانا شريفا ينصر المظلومين ولا يتأخر عن مساعدة الآخرين".
ويضيف أنه كان يحرص هو ورفاقه المقاومين على صلاة الفجر، ولهذا كانت وصيتهم بمواصلة فعالية "الفجر العظيم" التي هي غرس الشهداء ودليل على الوفاء لهم.
