يرى المحلل السياسي هاني المصري أن غياب القيادة الفلسطينية الرسمية، واعتمادها استراتيجية البقاء والانتظار، وحصر المقاومة ضمن قطاع غزة المحاصر، لا يعفي الفصائل والنخب والحراكات والإرهاصات الجديدة، بما فيها وأولها حركة فتح من المسؤولية مما يجري في القدس والأقصى.
وقال المصري في مقالة نشرها يوم الثلاثاء: إن "ما يرسخ غياب القيادة أنّ الاتصالات واللقاءات الجدية للتوصل إلى اتفاق لاحتواء الموقف، أو منع التصعيد وانفلاته إلى مواجهة شاملة، سواء شعبية وعسكرية، مثلما حصل في أيار الماضي، جرت مع حركة حماس".
وأضاف أن حماس بيدها قرار التصعيد والتهدئة بالتنسيق مع حركة الجهاد الإسلامي، وهذا يهمّش القيادة الرسمية، ويجعلها أكثر وأكثر ليست ذات صلة.
وأوضح أن القيادة سواء اجتمعت أو لم تجتمع، فاللجنة التنفيذية غير موجودة على أرض الواقع، أما القرار الفلسطيني الرسمي فهو يتخذ من شخص واحد، بمساعدة عدد من المساعدين.
وتابع "لا حاجة إلى اجتماع التنفيذية، لأنه سيضطر إلى رفع السقف للاستهلاك الشعبي، بينما لم تصل الجهود إلى خلاصة، وليست السلطة هي اللاعب الرئيس فيها، كما بدأ تهميشها، أو بالأحرى الإلغاء العملي لها بوصفها مؤسسةً قياديةً عليا منذ سنوات".
ولفت إلى أن القيادة لا تريد مغادرة استراتيجية الانتظار، جرّاء وهم بإمكانية إعادة إنتاج أوسلو، لذا تخشى من بروز احتمال سقوط حكومة نفتالي بينيت وعودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم، فسياسة السلطة تقوم على هدف بقاء السلطة.
رؤية بديلة
وقال: إن "حركة فتح في قلب المواجهة، لكن القيادة التي تقودها منشغلة بالإغاثة وإطفاء الحرائق، ومنع تحول الهبات والموجات إلى مواجهة شاملة ضمن استراتيجية وإلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه".
وأضاف "يجب أن تطرح هذه المهمات على جدول العمل والحوار الوطني، حيث يساهم الكل الوطني في بلورة رؤية بديلة واستراتيجيات مبادرة وقادرة على الدفاع، ومراكمة القوة والقدرة للانتقال من الدفاع إلى الهجوم، وصولًا إلى تحقيق الأهداف الرئيسة: تقرير المصير، وإنجاز الاستقلال لدولة فلسطين، وحق العودة للاجئين، والمساواة الفردية والقومية لشعبنا في الداخل، باعتبار ذلك مرحلة على طريق الحل النهائي التاريخي المتمثل في إقامة دولة واحدة ديمقراطية بعد هزيمة المشروع الاستيطاني العنصري".
وأكد ضرورة تعميم تجربة الوحدة الميدانية القائمة في جنين، وغيرها من المواقع، وتحويلها إلى قيادة وطنية موحدة في المنطقة، وننقلها إلى مناطق أوسع، وصولًا إلى قيام قيادة وطنية موحدة للمقاومة الشعبية، باعتبار ذلك خطوة على طريق إنجاز الوحدة السياسية والمؤسسية داخل السلطة والمنظمة.
كما "يمكن تطوير تجربة غرفة القيادة المشتركة في قطاع غزة لتصبح أكثر عمقًا ومستندة إلى قيادات وهياكل وآليات وصلاحيات واضحة وفاعلة".
وأردف قائلًا : "يمكن الاستثمار في حملة المقاطعة، والتعامل معها بوصفها استراتيجية أساسية من استراتيجيات المقاومة، الكفيلة بتوفير إمكانية للاعتماد على الذات، وليست مجرد تكتيك أو محصورة بمقاطعة المستوطنات".
وشدد على أن الكيان الإسرائيلي كله غير شرعي، وحتى شرعيته الدولية ناقصة، لأن قيامه استند إلى قرار التقسيم الذي نصّ أيضًا على قيام دولة عربية، ولا تتحقق أو لا تكتمل شرعية "إسرائيل" وفق القانون الدولي والشرعية الدولية من دون تجسيد الدولة التي قامت ويحرمها الاحتلال من ممارسة السيادة على أراضيها.
انتفاضة شاملة
ويرى المصري أن النضال ينتقل من هبة إلى أخرى، ومن موجة انتفاضية إلى أخرى، لكنه لم يرتقِ إلى انتفاضة شاملة لعدم وجود أمل كبير وبيئة عربية وإقليمية ودولية مناسبة، وعدم إيمان القيادة بالمقاومة والانتفاضة.
وأكد أن الانتفاضات يحركها الأمل، وأداتها الوحدة الوطنية، وهي بحاجة إلى قيادة واحدة، وإمكانيات، والاتفاق على أهداف مشتركة، وإلى استخلاص الدروس والعبر من الانتفاضات والثورات السابقة حتى لا تنتهي الى نفس النتائج.
بالإضافة إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي وكل من يوافق على أهدافها، والجبهة من المفترض أن تمثلها منظمة التحرير، لكن تغييبها وتجميد مؤسساتها يفرض تشكيل الجبهة من خارجها، حيث يكون على رأس أعمالها إحياء منظمة التحرير، وإعادة بناء مؤسساتها، وتغيير السلطة.
وهذا الأمر-وفقًا للمصري- يتطلب "وضع هدف إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة في صدارة الأهداف، وتحقيقه ممكن إذا تم إدراجه في سياق النضال لتحقيق الأهداف الأخرى الوطنية والديمقراطية، وليس إبقاءه مرهونًا بالحوار والاتفاقات، بين الفصائل التي على ما يبدو أن قطاعات واسعة فيها ليست من مصلحتها الوحدة".
وأضاف "لذا يمكن أن تتحقق الوحدة على أرض المعركة، ومن خلال الوحدة الميدانية، والعمل من أسفل إلى أعلى، إذ لا يجب تأجيل كل شيء حتى تتحقق الوحدة من فوق، على أساس أن تحقيق أي إنجاز من شأنه أن يُقرّب الفلسطينيين من تحقيق وحدتهم، القيادية والمؤسسية والبرامجية، التي من دونها لا يمكن تحقيق تحررهم الوطني والديمقراطي الشامل".
وقال: إن " نقطة الضعف المرافقة للهبات والموجات الانتفاضية والمواجهات العسكرية التي شهدناها منذ وقوع الانقسام وحتى الآن، هي غياب الهدف الوطني الكبير المراد تحقيقه في هذه المرحلة، والأهداف الملموسة التي يمكن تحقيقها في كل هبة وموجة، وصولًا إلى تحقيق الهدف الكبير".
وشدد على أن المقاومة وسيلة لتحقيق الأهداف الوطنية، ولا تحدد من منطقة واحدة، ولا من فصيل واحد، خصوصًا أن أي تصعيد جدي في منطقة يتعامل معه الاحتلال كأنه تصعيد من المقاومة في غزة، والعكس صحيح إلى حد ما كذلك، وعلى الفلسطينيين أن يربطوا ما بين قضاياهم ومناطقهم واعتبار كل تصعيد خطير على أنه تصعيد ضد كل المناطق.
